تفسير سورة لقمان من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة لقمان من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30) - {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} معناه: أيتبعونهم ولم كان الشيطان يدعوهم، أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب، [وهذا استفهام بمعنى التوبيخ].
- {ومن يسلم وجهه إلى الله} المراد التوكل عليه والتفويض إليه {وهو محسن} فيما يعمل {فقد استمسك} تمسك وتعلق {بالعروة} هي ما يعلق به الشيء {الوثقى} تأنيث الأوثق، مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه {وإلى الله عاقبة الأمور} هي صائرة إليه فيجازي عليها.
- {ومن كفر} ولم يسلم وجهه لله {فلا يحزنك كفره} [فلا يغمنك] كفر من كفر {إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا} فنعاقبهم على أعمالهم {إن الله عليم بذات الصدور} إن الله يعلم ما في صدور عباده فيفعل بهم على حسبه.
- {نمتعهم} زمانا {قليلا} بدنياهم {ثم نضطرهم} نلجئهم {إلى عذاب غليظ} شديد، شبه إلزامهم التعذيب وإرهاقهم إياه باضطرار المضطر إلى الشيء، والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد الشدة والثقل على المعذب.
- {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله} إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر، وألا يعبد معه غيره، ثم قال: {بل أكثرهم لا يعلمون} أن ذلك يلزمهم، وإذا نبهوا عليه لم يتنبهوا.
- {لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني} عن حمد الحامدين {الحميد} المستحق للحمد وإن لم يحمدوه.
قال المشركون: إن هذا أي الوحي كلام سينفد، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد بقوله:
- {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [لأن كلام الله تعالى قديم لا غاية له ولا منتهى، ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة، كلام واحد هو به ءامر ناه واعد متوعد مخبر، لا يقاس كلام غيره من المخلوقات به كما لا تقاس صفة من صفاته تعالى بصفات خلقه، فلا يمكن تصوره في الفكر، لأن المخلوق هو الذي يدرك بالتفكر، أما الخالق فلا يدرك بالتفكر، وكلامه تعالى وإن كان واحدا إلا أنه عبر عنه في القرءان هنا بصيغة الجمع تفخيما، كما أن ذات الله تعالى واحد وعبر عنه في القرءان بلفظ نحن كقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر} [الحجر: 9]، وقيل] المعنى: ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر [مداد] ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك الـمداد كلمات الله [أي العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه سبحانه وتعالى] لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد {إن الله عزيز} لا يعجزه شيء {حكيم} لا يخرج من علمه وحكمته شيء.
- {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} إلا كخلق نفس واحدة وبعث نفس واحدة، أي سواء في قدرته القليل والكثير، فلا يشغله شأن عن شأن {إن الله سميع} لقول المشركين إنه لا بعث {بصير} بأعمالهم فيجازيهم [عليها].
- {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار} يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار إذا أقبل الليل {ويولج النهار في الليل} [فما نقص من الليل دخل في النهار وما نقص من النهار دخل في الليل وهكذا يتعاقبان] {وسخر الشمس والقمر} لمنافع العباد {كل} كل واحد من الشمس والقمر {يجري} في فلكه([1]) ويقطعه {إلى أجل مسمى} إلى يوم القيامة، أو إلى وقت معلوم، الشمس إلى ءاخر السنة والقمر إلى ءاخر الشهر([2]) {وأن الله بما تعملون خبير} دل أيضا بتعاقب الليل والنهار، وزيادتهما ونقصانهما، وجري النيرين في فلكيهما على تقدير وحساب، وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته وكمال حكمته.
{ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير} ذلك الوصف الذي وصف من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله، إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت إلهيته، وأن من دونه باطل الإلهية، وأنه هو العلي الشان الكبير السلطان.
