تفسير سورة القصص من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة القصص من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) - {وجعلناهم أئمة} قادة {يدعون إلى النار} أي عمل أهل النار {ويوم القيامة لا ينصرون} [لا يمنع العذاب عنهم مانع].
- {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} ألزمناهم طردا وإبعادا عن الرحمة، وقيل ما يلحقهم من لعن الناس إياهم بعدهم {ويوم القيامة هم من المقبوحين} المطرودين الـمبعدين.
- {ولقد ءاتينا موسى الكتاب} التوراة {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} قوم نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام {بصائر للناس} البصيرة نور القلب الذي يبصر به الرشد والسعادة، كما أن البصر نور العين الذي تبصر به، يريد ءاتيناه التوراة أنوارا للقلوب لأنها كانت عميا لا تستبصر ولا تعرف حقا من باطل {وهدى} وإرشادا، لأنهم كانوا يخبطون في ضلال {ورحمة} لمن اتبعها، لأنهم إذا عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة {لعلهم يتذكرون} يتعظون.
- {وما كنت} يا محمد {بجانب} الجبل {الغربي} وهو المكان الواقع في شق الغرب، وهو الذي وقع فيه ميقات موسى {إذ قضينا إلى موسى الأمر} كلمناه وقربناه نجيا([1]) {وما كنت من الشاهدين} حتى تقف من جهة المشاهدة على ما جرى من أمر موسى في ميقاته.
- {ولكنا أنشأنا} بعد موسى {قرونا فتطاول عليهم العمر} طالت أعمارهم، وفترت النبوة، وكادت الأخبار تخفى، واندرست العلوم، ووقع التحريف في كثير منها، فأرسلناك مجددا لتلك الأخبار، مبينا ما وقع فيه التحريف، وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى {وما كنت ثاويا} مقيما {في أهل مدين} وهم شعيب والمؤمنون به {تتلو عليهم ءاياتنا} تقرؤها عليهم تعلما منهم، يريد الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه {ولكنا كنا مرسلين} ولكنا أرسلناك وأخبرناك بها وعلمناكها.
- {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} موسى أن خذ الكتاب بقوة {ولكن} علمناك وأرسلناك {رحمة} للرحمة {من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} في زمان الفترة بينك وبين عيسى، وهو خمسمائة وخمسون سنة {لعلهم يتذكرون} [يتعظون].
- {ولولا أن تصيبهم مصيبة} عقوبة {بما قدمت أيديهم} من الكفر والظلم، ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي نسبت الأعمال إلى الأيدي وإن كانت من أعمال القلوب تغليبا للأكثر على الأقل {فيقولوا} عند العذاب {ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولا؟ محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.
- {فلما جاءهم الحق من عندنا} أي القرءان، أو الرسول المصدق بالكتاب الـمعجز {قالوا} أي كفار مكة {لولا أوتي} هلا أعطي {مثل ما أوتي موسى} من الكتاب المنزل جملة واحدة {أولم يكفروا} يعني أبناء جنسهم، ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم عنادهم، وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام {بما أوتي موسى من قبل} من قبل القرءان {قالوا سحران} [أي القرءان والترواة] {تظاهرا} تعاونا {وقالوا إنا بكل} بكل واحد منهما {كافرون}.
- {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} مما أنزل على موسى، وما أنزل علي {أتبعه إن كنتم صادقين} في أنهما سحران.
{فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم قد ألزموا([2]) ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} لا أحد أضل ممن اتبع في الدين هواه مخذولا مخلى بينه وبين هواه {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [لا يوفق لإصابة الحق وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله وكذبوا رسوله واتبعوا أهواء أنفسهم إيثارا لطاعة الشيطان على طاعة ربهم].
([1]) أي تقريب منزلة ومكانة لا منزل ومكان. ونجيا أي مناجيا بأن أسمعه الله تعالى كلامه الذاتي بلا واسطة.
