تفسير سورة القصص من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة القصص من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) - {وأن ألق عصاك} ونودي أن ألق عصاك، فألقاها، فقلبها الله ثعبانا {فلما رءاها تهتز} تتحرك {كأنها جان} حية في سعيها، وهي ثعبان في جثتها {ولى مدبرا} [أدبر عنها وجعلها تلي ظهره] {ولم يعقب} [ولم يلتفت، أو لم] يرجع، فقيل له: {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} أمنت من أن ينالك مكروه من الحية.
- {اسلك} أدخل {يدك في جيبك} جيب قميصك [وهو الفتحة التي عند النحر، أدخل يمناك تحت عضد يسراك، وذلك قوله تعالى في سورة طه {واضمم يدك إلى جناحك}] {تخرج بيضاء} لها شعاع كشعاع الشمس {من غير سوء} برص {واضمم إليك جناحك من الرهب} واضمم يدك إلى صدرك يذهب ما بك من فرق([1])، أي لأجل الحية، [أو من إضاءة اليد، فأمره تعالى أن يعيد يده إلى جيبه لتعود إلى حالتها الأولى فيعلم موسى أنه لم يكن سوءا بل ءاية من الله تعالى] {فذانك} المراد اليد والعصا {برهانان} حجتان نيرتان بينتان، وسميت الحجة برهانا لإنارتها {من ربك إلى فرعون وملئه} أرسلناك إلى فرعون وملئه بهاتين الآيتين {إنهم كانوا قوما فاسقين} كافرين.
- {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون} به.
- {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني} معنى تصديقه موسى إعانته إياه بزيادة البيان في مظان الجدال إن احتاج إليه ليثبت دعواه، لا أن يقول له: صدقت، {إني أخاف أن يكذبون} [فإذا كان معي أخي قمنا بمحاجتهم].
- {قال سنشد عضدك بأخيك} سنقويك به، إذ اليد تشتد بشد العضد، لأنه قوام اليد، والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور {ونجعل لكما سلطانا} غلبة وتسلطا وهيبة في قلوب الأعداء {فلا يصلون إليكما بآياتنا} لا يصلون إليكما بسبب ءاياتنا {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} بآياتنا، وهي المعجزات].
- {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} واضحات {قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} تعمله أنت وليس بمعجزة من عند الله {وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} كائنا في زمانهم، يعني ما حدثنا بكونه فيهم.
- {وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} [معناه ما جئتم به حق وهدى وليس بسحر، وربي عالم بذلك، وأنتم ظالمون، وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة لي ولمن اتبعني لا لكم].
- {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده {فأوقد لي يا هامان على الطين} اطبخ لي الآجر، [وهامان وزيره] {فاجعل لي صرحا} [اتخذ لي منه] قصرا عاليا {لعلي أطلع} أصعد {إلى إله موسى} حسب أنه تعالى في مكان كما كان هو في مكان {وإني لأظنه} أي موسى {من الكاذبين} في دعواه أن له إلها وأنه أرسله إلينا رسولا.
روي أن هامان جمع خمسين ألف بناء وبنى صرحا لم يبلغه بناء أحد من الخلق، فضرب الصرح جبريل عليه السلام بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، وقطعة في البحر، وقطعة في الغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا هلك.
- {واستكبر هو وجنوده} تعظم {في الأرض} أرض مصر {بغير الحق} أي بالباطل {وظنوا أنهم إلينا} [إلى حسابنا وجزائنا] {لا يرجعون} [يوم القيامة، وهذا ليس بعذر لهم، بل ذم لهم بالجهل وترك التأمل بالآيات حتى يعلموا].
{فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} شبههم استقلالا لعددهم – وإن كانوا الجم الغفير- بحصيات أخذهن ءاخذ بكفه فطرحهن في البحر {فانظر} يا محمد {كيف كان عاقبة الظالمين} وحذر قومك فإنك منصور عليهم.
