تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30)
ثم أضرب عن المشركين منكرا عليهم وموبخا فقال: - {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} يحيون الموتى، [استفهام بمعنى التوبيخ]، ولأن ءالهتهم [المدعاة] كانت متخذة من جواهر الأرض كالذهب والفضة والحجر وتعبد في الأرض نسبت إليها.
- {لو كان فيهما آلهة إلا الله} أي غير الله، والمعنى: لو كان يدبر أمر السماوات ولاأرض ءالهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما {لفسدتا} لخربتا لوجود التمانع([1])، ثم نزه ذاته فقال: {فسبحان الله رب العرش عما يصفون} من الولد والشريك.
- {لا يسأل عما يفعل} [لا اعتراض عليه في حكمه] لأنه المالك على الحقيقة [وهو الحاكم المطلق، فلا ءامر ولا ناهي له] {وهم} [أي العباد] {يسألون} [عما كلفوا به من العبودية].
- {أم اتخذوا من دونه ءالهة} الإعادة لزيادة الإفادة، فالأول للإنكار من حيث العقل، والثاني من حيث النقل، [أي أيقولون ذلك وهم ينشرون الأموات فيقع لهم شبهة، أم يقولون إنا أخبرنا في الكتب أنها ءالهة، وليس كذلك، فلا إنشار ولا إخبار] {قل هاتوا برهانكم} حجتكم على ذلك، فإنكم لا تجدون كتابا من الكتب السماوية إلا وفيه توحيده وتنزيهه عن الأنداد {هذا} القرءان {ذكر من معي} يعني أمته {وذكر من قبلي} يعني أمم الأنبياء من قبلي، وهو وارد في توحيد الله ونفي الشركاء عنه. فلما لم يمتنعوا عن كفرهم أضرب عنهم فقال: {بل أكثرهم لا يعلمون الحق} أي القرءان، [أو التوحيد] {فهم} لأجل ذلك {معرضون} عن النظر فيما يجب عليهم.
- {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وحدوني، فهذه الآية مقررة لما سبقها من ءاي التوحيد.
- {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه} نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله؛ فنزه ذاته عن ذلك ثم أخبر عنهم بأنهم عباد بقوله: {بل عباد مكرمون} مشرفون مقربون.
- {لا يسبقونه بالقول} المعنى أنهم يتبعون قوله فلا يسبق قولهم قوله: {وهم بأمره يعملون} كما أن قولهم تابع فعملهم أيضا مبني على أمره، لا يعملون عملا لم يؤمروا به.
- {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} ما قدموا وأخروا من أعمالهم {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الله تعالى أن يشفع له، أو] لمن رضي الله عنه وقال لا إله إلا الله {وهم من خشيته مشفقون} خائفون.
- {ومن يقل منهم} من الملائكة {إني إله من دونه} من دون الله {فذلك} القائل {نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} الكافرين الذين وضعوا الإلهية في غير موضعها، وهذا على سبيل الفرض والتمثيل لتحقق عصمتهم.
{أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا} [وغنما ثني {كانتا} مع أن السماوات والأرض جمع لأنهما صنفان] {رتقا} مرتوقتين {ففتقناهما} فشققناهما، والفتق: الفصل بين الشيئين، والرتق ضد الفتق، [يقال: رتق فلان الفتق: إذا شده]، قيل: كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ففتق السماء [وهي من أشد الأشياء وأصلبها] بالمطر [مع شدة لينه، وفتق] الأرض مع شدتها وصلابتها] بالنبات [مع شدة لينه، وهذا من لطفه وقدرته، وقل غير ذلك] {وجعلنا من الماء كل شيء حي} خلقنا من الماء كل حيوان {أفلا يؤمنون} يصدقون بما يشاهدون.
([1]) ذكر المؤلف تفصيل ذلك عند تفسير قوله تعالى: {قل هو الله أحد} في سورة الإخلاص.
