تفسير سورة الأنبياء من الآية أحد عشر إلى عشرين وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20)
{وكم قصمنا} أهلكنا {من قرية} أي أهلها بدليل قوله: {كانت ظالمة} كافرة، وهي واردة عن غضب شديد وسخط عظيم لأن القصم هو أفظع الكسر، وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء {وأنشأنا} خلقنا {بعدها قوما آخرين} فسكنوا مساكنهم.
{فلما أحسوا} أي الـمهلكون {بأسنا} عذابنا، علموا علم حس ومشاهدة {إذا هم منها} من القرية {يركضون} يهربون مسرعين لما أدركتهم مقدمة العذاب، فقيل لهم:
{لا تركضوا} والقائل بعض الملائكة {وارجعوا إلى ما أترفتم فيه} نعمتم فيه من الدنيا ولين العيش {ومساكنكم لعلكم تسألون} يقال لهم استهزاء بهم: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، [وقيل غير ذلك].
{قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} اعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف.
{فما زالت تلك دعواهم} دعاءهم {حتى جعلناهم حصيدا} مثل الحصيد أي الزرع المحصود {خامدين} خمود النار ميتين.
{وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا الـمهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلق للهو واللعب، وإنما سويناها ليستدل بها على قدرة مدبرها، ولنجازي المحسن والمسيء على ما تقتضيه حكمتنا، ثم نزه ذاته عن سمات الحدوث بقوله:
{لو أردنا أن نتخذ لهوا} ولدا، أو امرأة، كأنه رد على من قال: عيسى ابنه ومريم صاحبته {لاتخذناه من لدنا} من الولدان أو الحور {إن كنا فاعلين} إن كنا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا.
{بل نقذف} (بل) إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه منه لذاته، كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو، بل من سنتنا أن نقذف أي نرمي ونسلط {بالحق} بالقرءان {على الباطل} الشيطان {فيدمغه} فيكسره ويدحض الحق الباطل {فإذا هو} أي الباطل {زاهق} هالك ذاهب {ولكم الويل مما تصفون} الله به من الولد ونحوه.
{وله من في السماوات والأرض} خلقا وملكا فأنى يكون شيء منه ولدا له، وبينهما تناف {ومن عنده} منزلة ومكانة لا منزلا ومكانا، يعني الملائكة {لا يستكبرون} لا يتعظمون {عن عبادته ولا يستحسرون} ولا يعيون.
{يسبحون الليل والنهار لا يفترون} تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم، لا تتخلله فترة بفراغ أو بشغل ءاخر، فتسبيحهم جار مجرى التنفس منا.