تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد إلى عشرة
سورة الأنبياء
مكية، وهي مائة واثنتا عشرة ءاية كوفي
وإحدى عشرة مدني وبصري
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد إلى عشرة
اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10)
- {اقترب} دنا {للناس} المراد بالناس المشركون، لأن ما يتلوه من صفات المشركين {حسابهم} وقت محاسبة الله إياهم ومجازاته على أعمالهم، يعني يوم القيامة، وإنما وصفه بالاقتراب لقلة ما بقي بالإضافة إلى([1]) ما مضى، [أو] لأن كل ءات قريب {وهم في غفلة} عن حسابهم وعما يفعل بهم ثم {معرضون} عن التأهب لذلك اليوم.
- {ما يأتيهم من ذكر} شيء من القرءان {من ربهم محدث} في التنزيل إتيانه، مبتدأة تلاوته، قريب عهده باستماعهم، والمراد به الحروف المنظومة ولا خلاف في حدوثها {إلا استمعوه} من النبي عليه الصلاة والسلام أو غيره ممن يتلوه {وهم يلعبون} يستهزئون به.
- {لاهية قلوبهم} غافلة قلوبهم عما يراد بها ومنها {وأسروا} وبالغوا في إخفاء {النجوى} اسم من التناجي {الذين ظلموا} أي والذين ظلموا أسروا النجوى {هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} أي وأسروا هذا الحديث، والمعنى أنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا ملكا وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة فهو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر.
- {قال} محمد ﷺ للذين أسروا النجوى: {ربي يعلم القول في السماء والأرض} يعلم قول كل قائل في السماء أو الأرض سرا كان أو جهرا {وهو السميع} لأقوالهم {العليم} بما في ضمائرهم.
- {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام رءاها في نومه فتوهمها وحيا من الله إليه، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا الباطل لجلج([2]) والـمبطل رجاع غير ثابت على قول واحد، ثم قالوا: إن كان صادقا في دعواه، وليس الأمر كما يظن {فليأتنا بآية} بمعجزة {كما أرسل الأولون} كما أرسل من قبله باليد البيضاء، والعصا، وإبراء الأكمه، وإحياء الموتى فرد الله تعالى عليهم قولهم بقوله:
- {ما ءامنت قبلهم من قرية} من أهل قرية {أهلكناها} عند مجيء الآيات المقترحة، لأنهم طلبوها تعنتا {أفهم يؤمنون} أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم، أفيؤمن هؤلاء المقترحون لو أتيناهم بما اقترحوا مع أنهم أعتى([3]) منهم؟
- {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا} هذا جواب قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم {نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر} العلماء بالكتابين فإنهم يعرفون أن الرسل الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة، وكان أهل مكة يعتمدون على قولهم {إن كنتم لا تعلمون} ذلك.
ثم بين أنه كمن تقدمه من الأنبياء بقوله:
- {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام} وما جعلنا الأنبياء قبله ذوي جسد غير طاعمين {وما كانوا خالدين} كأنهم قالوا: هلا كان ملكا لا يطعم ويخلد، إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون أو مسمين بقاءهم الممتد وحياتهم المتطاولة خلودا.
- {ثم صدقناهم الوعد} بإنجائهم {فأنجيناهم} مما حل بقومهم {ومن نشاء} هم المؤمنون {وأهلكنا المسرفين} المجاوزين الحد بالكفر.
{لقد أنزلنا إليكم} يا معشر قريش {كتابا فيه ذكركم} شرفكم عن عملتم به، أو لأنه بلسانكم {أفلا تعقلون} ما فضلتكم به على غيركم فتؤمنوا.
([1]) أي من عمر الدنيا ما مضى قبل نزول الآية أكثر بكثير مما بقي إلى يوم القيامة.
([2]) اللجلجة والتلجلج: التردد في الكلام، يقال: الحق أبلج والباطل لجلج.
