تفسير سورة الكهف من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة الكهف من الآية أحد عشر إلى عشرين
فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (20) - {فضربنا علىٰ آذانهم في الكهف} ضربنا عليها حجابا من أن تسمع، يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبهم فيها الأصوات {سنين عددا} ذوات عدد.
- {ثم بعثناهم} أيقظناهم من النوم {لنعلم أي الحزبين} المختلفين منهم في مدة لبثهم لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك وكان الذين قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول {أحصىٰ لما لبثوا أمدا} غاية، والمعنى: أيهم أحاط علما بأمد لبثهم، وإنما قال: لنعلم مع أنه تعالى لم يزل عالما بذلك لأن المراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر ليزدادوا إيمانا واعتبارا، وليكون لطفا لمؤمني زمانهم، وءاية بينة لكفاره.
- {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} بالصدق {إنهم فتية} جمع فتى ءامنوا بربهم وزدناهم هدى} يقينا، وكانوا من خواص دقيانوس([1])، قد قذف الله في قلوبهم الإيمان.
- {وربطنا علىٰ قلوبهم} وقويناها بالصبر على هجران الأوطان، والفرار بالدين إلى بعض الغيران([2])، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام {إذ قاموا} بين يدي الجبار، وهو دقيانوس من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام {فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} مفتخرين {لن ندعو من دونه إلٰها}، ولئن سميناهم ءالهة {لقد قلنا إذا شططا} قولا ذا شطط، وهو الإفراط فيي الظلم والإبعاد فيه.
- {هٰؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة} هو إخبار في معنى الإنكار {لولا يأتون عليهم} هلا يأتون على عبادتهم {بسلطان بين} بحجة ظاهرة، وهو تبكيت([3]) لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال {فمن أظلم ممن افترىٰ على الله كذبا} بنسبة الشريك إليه.
- {وإذ اعتزلتموهم} خطاب من بعضهم لبعض حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم {وما يعبدون} وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم {إلا الله} لأنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه غيره كأهل مكة {فأووا إلى الكهف} اجعلوا الكهف مأواكم {ينشر لكم ربكم من رحمته} من رزقه {ويهيئ لكم من أمركم مرفقا} ما يرتفق به، أي ينتفع، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله، وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم.
- {وترى الشمس إذا طلعت تزاور} من الزور وهو الـميل {عن كهفهم} أي تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم {ذات اليمين} جهة اليمين {وإذا غربت تقرضهم} تتركهم وتعدل عنهم {ذات الشمال وهم في فجوة منه} في متسع من الكهف، والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله، لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرض لإصابة الشمس لولا أن الله يحجبها عنهم {ذلك من ءايات الله} أي ما صنعه الله بهم من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة ءاية من ءايات الله {من يهد الله فهو المهتد} ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم فأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية {ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} أي من أضله فلا هادي له.
- {وتحسبهم أيقاظا} جمع يقظ {وهم رقود} نيام، قيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} قيل: لهم تقلبتان في السنة {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} بالفناء، أو العتبة {لو اطلعت عليهم} لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم {لوليت منهم فرارا} لأعرضت عنهم وهربت منهم {ولملئت منهم رعبا} وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، أو لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم.
- {وكذلك بعثناهم} وكما أنمناهم تلك النومة كذلك أيقظناهم إظهارا للقدرة على الإنامة والبعث جميعا {ليتساءلوا بينهم} ليسأل بعضهم بعضا، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله، ويزدادوا يقنيا ويشكروا ما أنعم الله به عليهم {قال قائل منهم} رئيسهم: {كم لبثتم} كم مدة لبثكم؟ {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} جواب مبني على غالب الظن {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} بمدة لبثكم، إنكار عليهم من بعضهم، كأنهم قد علموا بالأدلة، أو بإلهام أن المدة متطاولة، وأن مقدارها لا يعلمه إلا الله.
وروي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك {فابعثوا أحدكم} يمليخا {بورقكم} هي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة {هذه إلى المدينة} هي طرسوس {فلينظر أيها أزكى طعاما} [أي أطعمة المدينة] أحل وأطيب {فليأتكم برزق منه وليتلطف} وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن، أو في أمر التخفي حتى لا يعرف {ولا يشعرن بكم أحدا} ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور بنا من غير قصد منه.
{إنهم إن يظهروا عليكم} يطلعوا عليكم {يرجموكم} يقتلوكم أخبث القتلة {أو يعيدوكم في ملتهم} بالإكراه {ولن تفلحوا إذا أبدا} ولن تفلحوا إن دخلتم في دينهم أبدا.
([1]) دقياوس: حاكم بلادهم في زمانهم.
([2]) الغيران جمع غار: نقب كالكهف في الجبل، وهو شبه البيت فيه.
- تفسير سورة الكهف من الآية أحد عشر إلى عشرين
