تفسير سورة الكهف من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة الكهف من الآية واحد إلى عشرة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا (2) ماكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5) فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10)- {الحمد لله الذي أنزل على عبده} محمد ﷺ {الكتاب} القرآن، لقن الله عباده وفقهم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام وما أنزل على محمد ﷺ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم {ولم يجعل له عوجا} شيئا من العوج، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه وخروج شيء منه من الحكمة.
- {قيما} مستقيما، والتقدير جعله قيما {لينذر} الذين كفروا {بأسا} عذابا {شديدا من لدنه} صادرا من عنده {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم} أي بأن لهم {أجرا حسنا} أي الجنة.
- {ماكثين فيه} في الأجر وهو الجنة {أبدا}.
- {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} ذكر المذرين دون المنذر به بعكس الأول استغناء بتقديم ذكره.
- {ما لهم به من علم} أي بالولد، يعني: أن قولهم هذا لم يصدر عن علم لأنه في نفسه محال، ولكن عن جهل مفرط {ولا لآبائهم} المقلدين {كبرت كلمة} فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة، والضمير يرجع إلى قولهم: اتخذ الله ولدا {تخرج من أفواههم} استعظاما لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوهوا به بل يكظمون عليه، فكيف بمثل هذا المنكر {إن يقولون إلا كذبا} ما يقولون ذلك إلا كذبا.
- {فلعلك باخع نفسك} قاتل نفسك {على آثارهم} ءاثار الكفار، شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الأسف على توليهم برجل فارقه أحبته فهو يتساقط حسرات على ءاثارهم ويبخع نفسه تلهفا على فراقهم {إن لم يؤمنوا بهـذا الحديث} بالقرءان {أسفا} لفرط الحزن، والأسف، المبالغة في الحزن والغضب.
- {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن مننها {لنبلوهم أيهم أحسن عملا} وحسن العمل: الزهد فيها وترك الاغترار بها.
ثم زهد في الميل إليها بقوله:
- {وإنا لجاعلون ما عليها} من هذه الزينة {صعيدا} أرضا ملساء {جرزا} يابسا لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة، والمعنى: نعيدها بعد عمارتها خرابا بإماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار وغير ذلك.
ولما ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض بما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن قال:
- {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} يعني أن ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدة طويلة، والكهف: الغار الواسع في الجبل، والرقيم: اسم كلبهم، أو قريتهم، أو اسم كتاب كتب في شأنهم {كانوا من آياتنا عجبا} كانوا ءاية عجبا من ءاياتنا.
{إذ} اذكر إذ {أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة} رحمة من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء {وهيئ لنا من أمرنا} الذي نحن عليه من مفارقة الكفار {رشدا} طريق رضاك.
