تفسير سورة الإسراء من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة الإسراء من الآية أحد عشر إلى عشرين
ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (12) وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) - {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير} ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله وولده كما يدعو لهم بالخير {وكان الإنسان عجولا} يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأني الـمتبصر.
- {وجعلنا الليل والنهار ءايتين} [دالتين على قدرة الله] {فمحونا ءاية الليل} [جعلنا الليل ممحو الضوء مطوسه مظلما لتسكنوا فيه] {وجعلنا آية النهار مبصرة} [مبصرا فيها بالضوء] {لتبتغوا فضلا من ربكم} لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم {ولتعلموا} [بانفصال الليل من النهار] {عدد السنين والحساب} حساب الآجال ومواسم الأعمال، ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار {وكل شيء} مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم {فصلناه تفصيلا} بيناه بيانا غير ملتبس فأزحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا.
- {وكل إنسان ألزمناه طائره} عمله {في عنقه} يعني أن عمله لازم له لزوم القلادة، أو الغل للعنق لا يفك عنه {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} غير مطوي ليمكنه قراءته ونقول له:
- {اقرأ كتابك} كتاب أعمالك، وكل يبعث قارئا {كفى بنفسك اليوم عليك} كفى نفسك {حسيبا} [حافظا عليك عملك].
- {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} أي فلها ثواب الاهتداء، وعليها وبال الضلال {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي كل نفس حاملة وزرا فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وما صح منا أن نعذب قوما عذاب استئصال في الدنيا إلا بعد أن نرسل إليهم([1]) رسولا يلزمهم الحجة.
- {وإذا أردنا أن نهلك قرية} أهل قرية {أمرنا مترفيها} متعميها وجبابرتها بالطاعة {ففسقوا فيها} أي خرجوا عن الأمر {فحق عليها القول} فوجب عليها الوعيد {فدمرناها تدميرا} فأهلكناها إهلاكا.
- {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} يعني عادا وثمود وغيرهما {وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا} وإن أخفوها في الصدور {بصيرا} وإن أرخوا عليها الستور.
- {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء} لا ما يشاء {لمن نريد} أي من كانت العاجلة هم ولم يرد غيرها كالكفرة تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، فقيد المعجل بمشيئته والمعجل له بإرادته، وهكذا الحال ترى كثيرا من هؤلاء يـمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأما المؤمن التقي فقد اختار غنى الآخرة، فإن أوتي حظا من الدنيا فبها وإلا فربما كان الفقر خيرا له {ثم جعلنا له جهنم} في الآخرة {يصلاها} يدخلها {مذموما} ممقوتا {مدحورا} مطرودا من رحمة الله.
- {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة {وهو مؤمن} مصدق لله في وعده ووعيده {فأولئك كان سعيهم مشكورا} مقبولا عند الله مثابا عليه، عن بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت ونية صادقة وعلم مصيب، وتلا الآية.
{كلا} كل واحد من الفريقين {نمد هؤلاء وهؤلاء} من أراد العاجلة ومن أراد الآخرة {من عطاء ربك} رزقه، أي نزيدهم من عطائنا، فنرزق المطيع والعاصي جميعا على وجه التفضل {وما كان عطاء ربك محظورا} ممنوعا عن عباده وإن عصوا.
([1]) هذا على مذهب الماتريدية، أما الأشاعرة فيحملون هذا على عذاب الآخرة، فعندهم من لم تبلغه الدعوة لا يعذب في الآخرة، وإن عبد غير الله وفعل ما فعل، أما الماتريدية فيقولون: الذي لا يؤمن بالخالق ويموت على ذلك لا يعذر، ولو كان لم تبلغه الدعوة لأن العقل يكفي في معرفة الله فمن لم يعرف الله فبتقصيره، هو لم يتفكر في مخلوقات الله حتى يعرف الخالق فلا عذر له، لكن الراجح عندنا في هذا مذهب الأشاعرة، لأن الاهتداء بالعقل إلى معرفة وجود الله لا يتيسر إلا لقليل من الناس، ومراد الماتريدية أن العاقل يقول: أنا كنت بعد أن لم أكن، وما كان بعد أن لم يكن لا بد له من مكون، فأنا لا بد لي من مكون، وهذا المكون يكون قديما أزليا لا يكون حادثا، وذلك المكون لا يشبهني ولا يشبه غيري من هذا العالم، فإن لم يكن سمع باسم الله يكون اعتقد أن للعالم خالقا أوجده من العدم.
- تفسير سورة الإسراء من الآية أحد عشر إلى عشرين
