تفسير سورة النحل من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة النحل من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) - {والله جعل لكم مما خلق ظلالا} كالأشجار والسقوف {وجعل لكم من الجبال أكنانا} جمع كن، وهو ما سترك من كهف أو غار {وجعل لكم سرابيل} هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن {تقيكم الحر} وهي تقي البرد أيضا إلا أنه اكتفي بأحد الضدين، ولأن الوقاية من الحر أهم عندهم لكون البرد يسيرا محتملا {وسرابيل تقيكم بأسكم} ودروعا من الحديد ترد عنكم سلاح عدوكم في قتالكم {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} تنظرون في نعمته الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له.
- {فإن تولوا} أعرضوا عن الإسلام {فإنما عليك البلاغ المبين} فلا تبعة عليك في ذلك، لأن الذي عليك هو التبليغ الظاهر وقد فعلت.
- {يعرفون نعمت الله} التي عددناها بأقوالهم، فإنهم يقولون: إنها من الله {ثم ينكرونها} بأفعالهم حيث عبدوا غير الـمنعم {وأكثرهم الكافرون} الجاحدون غير المعترفين.
- {ويوم نبعث} نحشر {من كل أمة شهيدا} نبيا يشهد لهم وعليهم بالتصديق والتكذيب والإيمان والكفر {ثم لا يؤذن للذين كفروا} في الاعتذار، والمعنى: لا حجة لهم، فدل بترك الإذن على أن لا حجة لهم ولا عذر {ولا هم يستعتبون} أي لا يقال لهم: أرضوا ربكم، لأن الآخرة ليست بدار عمل.
- {وإذا رأى الذين ظلموا} كفروا {العذاب} [الذي أعد لهم في الآخرة] {فلا يخفف عنهم} العذاب بعد الدخول [إلى جهنم] {ولا هم ينظرون} يمهلون [للإيمان] قبله.
- {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} أوثانهم التي عبدوها {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا} أي ءالهتنا التي جعلناها شركاء {الذين كنا ندعو من دونك} أي نعبد {فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} أجابوهم بالتكذيب لأنها كانت جمادا لا تعرف من عبدها.
- {وألقوا} يعني الذين ظلموا {إلى الله يومئذ السلم} الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا {وضل عنهم} وبطل عنهم {ما كانوا يفترون} من أن لله شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.
- {الذين كفروا} في أنفسهم {وصدوا عن سبيل الله} وحملوا غيرهم على الكفر {زدناهم عذابا فوق العذاب} عذابا بكفرهم وعذابا بصدهم عن سبيل الله {بما كانوا يفسدون} بكونهم مفسدين الناس بالصد.
- {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم} يعني نبيهم، لأنه كان يبعث أنبياء الأمم يهم منهم {وجئنا بك} يا محمد {شهيدا على هؤلاء} على أمتك {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا} بيانا بليغا {لكل شيء} من أمور الدين، أما في الأحكام المنصوصة فظاهر، وكذا فيما ثبت بالسنة، أو بالإجماع، أو بقول الصحابي، أو بالقياس، لأن مرجع الكل إلى الكتاب حيث أمرنا فيه باتباع رسوله عليه الصلاة والسلام وطاعته {وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} ودلالة إلى الحق ورحمة لهم وبشارة لهم بالجنة.
{إن الله يأمر بالعدل} بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وإيصال كل ذي حق إلى حقه {والإحسان} إلى من أساء إليكم {وإيتاء ذي القربى} وإعطاء ذي القرابة، وهو صلة الرحم {وينهى عن الفحشاء} عن الذنوب الـمفرطة في القبح {والمنكر} [ما أنكره الشرع بالنهي عنه] {والبغي} طلب التطاول بالظلم والكبر {يعظكم لعلكم تذكرون} تتعظون بمواعظ الله، وهذه الآية سبب إسلام عثمان بن مظعون، قال: ما كنت أسلمت([1]) إلا حياء منه عليه السلام لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام ولم يستقر الإيمان في قلبي، حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي، وهي أجمع ءاية في القرءان للخير والشر، ولهذا يقرؤها كل خطيب على المنبر في ءاخر كل خطبة لتكون عظة جامعة لكل مأمور ومنهي.
