تفسير سورة النحل من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة النحل من الآية واحد وتسعين إلى مئة
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (93) ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) - {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام [لقوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} [الفتح: 10]] {ولا تنقضوا الأيمان} أيمان البيعة {بعد توكيدها} بعد توثيقها باسم الله {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} شاهدا ورقيبا، لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه {إن الله يعلم ما تفعلون} من البر والحنث فيجازيكم به.
- {ولا تكونوا} في نقض الأيمان {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة} كالمرأة التي أنحت([1]) على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته {أنكاثا} جمع نكث، وهو ما ينكث فتله {تتخذون أيمانكم} أي ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها {دخلا بينكم} أي مفسدة وخيانة {أن تكون أمة} بسبب أن تكون أمة، يعني جماعة قريش {هي أربى} أزيد عددا وأوفر مالا {من أمة} من جماعة المؤمنين {إنما يبلوكم الله به} إنما يختبركم بكونهم أربى [ليتبين([2])] أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما وكدتم من أيمان البيعة لرسول الله ﷺ أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقلة المؤمنين وفقرهم {وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب، وفيه تحذير من مخالفة ملة الإسلام.
- {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} حنيفة مسلمة {ولكن يضل من يشاء} من علم منه اختيار الضلالة [وشاء له الضلالة فخذله ولم يوفقه للإيمان] {ويهدي من يشاء} من علم منه اختيار الهداية [وشاء له ذلك فوفقه للإيمان] {ولتسألن عما كنتم تعملون} يوم القيامة فتجزون به.
- {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم} كرر النهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم تأكيدا عليهم وإظهارا لعظمه {فتزل قدم بعد ثبوتها} فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها {وتذوقوا السوء} في الدنيا {بما صددتم} بصدودكم {عن سبيل الله} وخروجكم عن الدين {ولكم عذاب عظيم} في الآخرة.
- {ولا تشتروا} ولا تستبدلوا {بعهد الله} وبيعة رسول الله ﷺ {ثمنا قليلا} عرضا من الدنيا يسيرا، [كان قوم] ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله ﷺ فثبتهم الله {إنما عند الله} إن ما عند الله من ثواب الآخرة {هو خير لكم إن كنتم تعلمون} [إن كنتم من أهل العلم والتمييز].
- {ما عندكم} من أعراض الدنيا {ينفد وما عند الله} من خزائن رحمته {باق} لا ينفد {ولنجزين الذين صبروا} على أذى المشركين ومشاق الإسلام {أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [بجزاء أحسن من أعمالهم].
- {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} شرط الإيمان لأن أعمال الكفار غير معتد بها، وهو يدل على أن العمل ليس من الإيمان {فلنحيينه حياة طيبة} في الدنيا لقوله: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا يعيش عيشا طيبا، إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى، وأما الفاجر فأمره بالعكس، إن كان معسرا فظاهر، وإن كان موسرا فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه.
- {فإذا قرأت القرءان} فإذا أردت قراءة القرءان {فاستعذ بالله من الشيطان} يعني إبليس {الرجيم} المطرود الملعون.
- {إنه ليس له} لإبليس {سلطان} تسلط وولاية {على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون} فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه.
{إنما سلطانه على الذين يتولونه} يتخذونه وليا ويتبعون وساوسه {والذين هم به مشركون} [أي بربهم مشركون].
