تفسير سورة النحل من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
- تفسير سورة النحل من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) - {وإذا بدلنا آية مكان ءاية} تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة [يعلمها بعلمه الأزلي الأبدي، فالله سبحانه وتعالى لا يتجدد له علم]، وهو معنى قوله: {والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر} كانوا يقولون: إن محمدا يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا فيأتيهم بما هو أهون، ولقد افتروا فقد كان ينسخ الأشق بالأهون، والأهون بالأشق {بل أكثرهم لا يعلمون} الحكمة في ذلك.
- {قل نزله روح القدس} جبريل عليه السلام، أضيف إلى القدس وهو الطهر، والـمقدس: المطهر من المآثم {من ربك} من عنده وأمره {بالحق} نزله ملتبسا بالحكمة {ليثبت الذين ءامنوا} ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا والحكمة لأنه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب {وهدى وبشرى} تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة {للمسلمين} وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.
- {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} أرادوا به غلاما كان لحويطب قد أسلم وحسن إسلامه، اسمه عائش أو يعيش، وكان صاحب كتب([1])، أو هو جبر غلام رومي لعامر بن الحضرمي، أو عبدان: جبر ويسار، كانا يقرءان التوراة والإنجيل، فكان رسول الله ﷺ يسمع ما يقرءان، أو سلمان الفارسي {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان أعجمي غير بين، وهذا القرءان لسان عربي مبين، ذو بيان وفصاحة، ردا لقولهم، وإبطالا لطعنهم.
- {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله} أي القرءان {لا يهديهم الله} ما داموا مختارين للكفر {ولهم عذاب أليم} في الآخرة على كفرهم.
- {إنما يفتري الكذب} على الله {الذين لا يؤمنون بآيات الله} إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن، لأنه لا يترقب عقابا عليه، وهو رد لقولهم: {إنما أنت مفتر} [النحل: 101] {وأولئك} إشارة إلى الذين لا يؤمنون {هم الكاذبون} على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب ءايات الله أعظم الكذب، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: {إنما أنت مفتر}.
- {من كفر بالله من بعد إيمانه} من كفر بالله فعليهم غضب {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ساكن به {ولكن من شرح بالكفر صدرا} طاب به نفسا واعتقده {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} المعنى: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه واستثنى منهم الـمكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء. [أفهمت الآية الكريمة أن الـمكره – بالقتل ونحوه – على التلفظ بالكفر لا يحكم بكفره إلا إذا انشرح صدره بما تلفظ به وأن هذا الشرط خاص بالـمكره وليس عاما. فلا يشترط في غير الـمكره انشراح صدره ولا اطمئنان قلبه ليحكم عليه بما تلفظ به].
روي أن ناسا من أهل مكة فتنوا، فارتدوا، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان منهم عمار، وأما أبواه ياسر وسمية فقد قتلا، وهما أول قتيلين في الإسلام، فقيل لرسول الله ﷺ: إن عمارا كفر، فقال: «كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه([2]) إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه»، فأتى عمار رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه وقال: «ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت»([3])، وما فعل أبو عمار أفضل لأن في الصبر على القتل إعزازا للإسلام.
- {ذلك} إشارة إلى الوعيد، وهو لحوق الغضب والعذاب العظيم {بأنهم استحبوا} ءاثروا {الحياة الدنيا على الآخرة} أي بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة {وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} ما داموا مختارين للكفر.
- {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} فلا يتدبرون ولا يصغون إلى المواعظ ولا يبصرون طريق الرشاد {وأولئك هم الغافلون} الكاملون في الغفلة، لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.
- {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} [إذ ضيعوا أعمارهم وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب الـمخلد].
{ثم إن ربك للذين هاجروا} من مكة، أي أنه لهم لا عليهم، يعني أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم {من بعد ما فتنوا} بالعذاب والإكراه على الكفر {ثم جاهدوا} المشركين بعد الهجرة {وصبروا} على الجهاد {إن ربك من بعدها} من بعد هذه الأفعال وهي الهجرة والجهاد والصبر {لغفور} لهم {رحيم} لا يعذبهم على ما قالوا في حالة الإكراه.
