تفسير سورة النساء من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وتسعين إلى مئة
ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (92) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (94) لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما (100) - {ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم} بالنفاق {ويأمنوا قومهم} بالوفاق، هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم {كل ما ردوا إلى الفتنة} كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين {أركسوا فيها} قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وكانوا شرا فيها من كل عدو {فإن لم يعتزلوكم} فإن لم يعتزلوا قتالكم {ويلقوا إليكم السلم} ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح {ويكفوا أيديهم} ولم يمسكوا عن قتالكم {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} حيث تمكنتم منهم وظفرتم بهم {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بالمسلمين.
- {وما كان لمؤمن} وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله {أن يقتل مؤمنا} أي ليس المؤمن كالكافر الذي تقدم إباحة دمه {إلا خطئا} إلا على وجه الخطإ من غير قصد، بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما {ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة} فعليه تحرير رقبة، والتحرير الإعتاق {مؤمنة} لـما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها {ودية مسلمة إلى أهله} مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق يبنها وبين سائر التركة في كل شيء، فيقضى منها الدين وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال، والدية على العاقلة([1])، والكفارة على القاتل {إلا أن يصدقوا} إلا أن يتصدقوا عليه بالدية، أي يعفوا عنه{ فإن كان من قوم عدو لكم} فإن كان المقتول خطأ من قوم أعداء لكم أي كفرة {وهو مؤمن} أي المقتول مؤمن {فتحرير رقبة مؤمنة} يعني إذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم خطأ([2]) تجب الكفارة بقتله للعصمة الـمؤثمة، وهي الإسلام ولا تجب الدية([3]) {وإن كان} المقتول {من قوم بينكم} بين المسلمين {وبينهم ميثاق} عهد {فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} أي وإن كان المقتول ذميا فحكمه حكم المسلم([4]) {فمن لم يجد} رقبة أي لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها([5]) {فصيام شهرين} فعليه صيام شهرين {متتابعين توبة من الله} قبولا من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته {وكان الله عليما} بما أمر {حكيما} يما قدر.
- {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} قاصدا قتله لإيمانه وهو كفر أو قتله مستحلا لقتله وهو كفر أيضا {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} انتقم منه وطرده من رحمته {وأعد له عذابا عظيما} لارتكابه أمرا عظيما وخطبا جسيما. في الحديث: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم».
- {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} سرتم في طريق الغزو {فتبينوا} فتثبتوا، أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا([6]) فيه {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام {لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} تطلبون الغنيمة التي هي حطام([7]) سريع النفاد. والعرض([8]): المال، سمي به لسرعة فنائه {فعند الله مغانم كثيرة} تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله {كذلك كنتم من قبل} أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماؤكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم([9]) {فمن الله عليكم} بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فافعلا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم {فتبينوا} كرر الأمر بالتبين ليؤكد عليهم {إن الله كان بما تعملون خبيرا} فلا تتهافتوا([10]) في القتل، وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.
- {لا يستوي القاعدون} عن الجهاد {من المؤمنين غير أولي الضرر} الضرر المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} نفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر – وإن كان معلوما- توبيخا للقاعد عن الجهاد وتحريكا له عليه، ونحوه {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] فهو تحريك لطلب العلم وتوبيخ على الرضا بالجهل {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} ذكر هذه الجملة بيانا للجملة الأولى موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين {وكلا وعد الله الحسنى} الـمثوبة الحسنى وهي الجنة، وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة {وفضل الله المجاهدين على القاعدين} بغير عذر {أجرا عظيما}.
- {درجات منه ومغفرة ورحمة} كأنه قيل: فضلهم تفضيلات، وحاصله أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة، وعلى القاعدين بغير عذر اكتفاء بغيرهم درجات لأن الجهاد فرض كفاية {وكان الله غفورا} بتكفير العذر {رحيما} بتوفير الأجر.
- {إن الذين توفاهم الملائكة} التوفي قبض الروح، والملائكة ملك الموت وأعوانه {ظالمي أنفسهم} في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة {قالوا} أي الملائكة للمتوفين {فيم كنتم} في أي شيء كنتم في أمر دينكم؟ ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين {قالوا كنا مستضعفين} عاجزين عن الهجرة {في الأرض} أرض مكة فأخرجونا كارهين {قالوا} أي الملائكة موبخين لهم {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله ﷺ {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} الآية تدل على أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره حقت عليه المهاجرة.
- {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين {لا يستطيعون حيلة} في الخروج منها لفقرهم وعجزهم {ولا يهتدون سبيلا} ولا معرفة لهم بالمسالك.
- {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} وعسى وإن كان للإطماع فهو من الله تعالى [كائن لا محالة] لأن الكريم إذا أطمع أنجز {وكان الله عفوا غفورا} لعباده قبل أن يخلقهم([11]).
{ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما} مهاجرا([12]) وطريقا يراغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب {كثيرا وسعة} في الرزق {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} إلى حيث أمر الله ورسوله {ثم يدركه الموت} قبل بلوغه مهاجره {فقد وقع أجره على الله} حصل له الأجر بوعد الله، وهو تأكيد للوعد، فلا شيء يجب على الله لأح من خلقه {وكان الله غفورا رحيما} قالوا: كل هجرة لطلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة أو زهدا أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ورسوله وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله.
([1]) هم العصبة، القرابة من قبل الأب.
([2]) لظنه أنه من الكفار لوجوده بينهم.
([3]) لأن أولياء المقتول كفرة فلا يعطون ما يتقوون به، واختلف إذا قتل خطأ في بلاد المسلمين فقال بعضهم: فيه الدية وهي لبيت المال، وقال بعضهم: لا دية له لأن أهله كفار لا يستحقون الدية، ولا المسلمون لأنهم ليسوا أهله فلا تجب في الحالين.
([4]) هذا عند الحنفية، لأن المؤلف حنفي المذهب.
([7]) حطام الدنيا: كل ما فيها من مال يفنى.
([8]) عند علماء التوحيد العرض صفة الجسم، بياض الجسم، سواد الجسم، حركة الجسم وسكونه، هذا هو العرض، أما هنا في الآية فالمال.
([10]) فلا تتهافتوا: فلا تتساقطوا.
([11]) عند الماتريدية مغفرة الله أزلية أبدية كصفات المعاني السبعة، المغفور له حادث أما مغفرة الله فأزلية.
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وتسعين إلى مئة
