تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) - {وإذا ضربتم في الأرض} سافرتم فيها {فليس عليكم جناح} حرج {أن تقصروا} في أن تقصروا {من الصلاة} من أعداد ركعات الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} إن خشيتم أن يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ، والخوف ليس بشرط [لجواز القصر] لما روي عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال: عجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» [فقوله تعالى: {إن خفتم} ليس للاشتراط بل بيان للواقع إذ ذاك] لأن حالهم حين نزول الآية [كان] كذلك فنزلت على وفق الحال {إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} فتحرزوا عنهم.
- {وإذا كنت} يا محمد {فيهم} في أصحابك {فأقمت لهم الصلاة} فأردت أن تقيم الصلاة بهم {فلتقم طائفة منهم} فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما {معك} فصل بهم، وتقوم طائفة تجاه العدو {وليأخذوا أسلحتهم} أي الذين تجاه العدو {فإذا سجدوا} قيدوا ركعتهم بسجدتين {فليكونوا من ورائكم} أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ركعة فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدو {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} ولتحضر الطائفة الواقفة بإزاء العدو فليصلوا معك الركعة الثانية {وليأخذوا حذرهم} ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوه {وأسلحتهم} جمع سلاح هو ما يقاتل به {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم} تمنوا أن ينالوا منكم غرة([1]) في صلاتكم {فيميلون عليكم ميلة واحدة} فيشدون عليكم شدة واحدة {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا} في أن تضعوا {أسلحتكم وخذوا حذركم} رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو {إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا} أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من الله تعالى.
- {فإذا قضيتم الصلاة} فرغتم منها {فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} دوموا على ذكر الله في جميع الأحوال {فإذا اطمأننتم} سكنتم بزوال الخوف {فأقيموا الصلاة} فأتموها بطائفة واحدة، أو إذا أقمتم فأتموا ولا تقصروا {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} مكتوبا محدودا بأوقات معلومة.
- {ولا تهنوا} ولا تضعفوا ولا تتوانوا {في ابتغاء القوم} في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم، ثم ألزمهم الحجة بقوله: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} أي ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم، بل هو مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه، فما لكم لا تصبون مثل صبرهم؟ مع أنكم أجدر منهم بالصبر، لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة {وكان الله عليما} بما يجد المؤمنون من الألم {حكيما} في تدبير أمورهم.
روي أن طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعا من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب([2]) دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال: دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من اليهود، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرئ اليهودي، فنزل([3]).
- {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي محقا {لتحكم بين الناس بما أراك الله} بما عرفك وأوحى به إليك، وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله: بما ألهمك بالنظر في أصوله المنزلة، وفيه دلالة جواز الاجتهاد في حقه عليه الصلاة والسلام {ولا تكن للخائنين} لأجل الخائنين {خصيما} مخاصما، أي ولا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر، [قيل: إن هذا النهي للنبي عليه الصلاة والسلام وإن كان معلوما أن هذا لا يكون لما عصمه الله تعالى من ذلك، كقوله تعالى: {ولا تكونن من المشركين} [الأنعام: 14] فالعصمة لا تتعارض مع النهي، وقيل: إن الخطاب للنبي ﷺ والمراد به الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين: أحدهما أنه تعالى أبان ذلك بعد بقوله: {هاأنتم هـؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا}، والآخر أن النبي ﷺ كان حكما فيما بينهم ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره].
- {واستغفر الله} [للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل، ومحلك من الناس أن تسمع من الـمتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع وتستغفر للمذنب] {إن الله كان غفورا رحيما}.
- {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يخونونها بالمعصية، والمراد به طعمة ومن عاونه من قومه هم يعلمون أنه سارق، [وهو على ما ذكر من أن العصمة لا تتعارض مع الأمر والنهي] {إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما} وإنما قيل بلفظ المبالغة لأنه تعالى عالم من طعمة أنه مفرط في الخيانة وركوب المآثم، وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله.
- {يستخفون} يستترون {من الناس} حياء منهم وخوفا من ضررهم {ولا يستخفون من الله} ولا يستحيون منه {وهو معهم} وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خاف من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعية([4]) على الناس ما هم فيه قلة الحياء والخشية من ربهم {إذ يبيتون} يدبرون {ما لا يرضى من القول} وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرق دونه ويحلف أنه لم يسرقها {وكان الله بما يعملون محيطا} عالـما علم إحاطة.
- {هاأنتم هؤلاء} [بمعنى يا هؤلاء] {جادلتم} خاصمتم، [والخطاب لرهط طعمة] {عنهم} عن طعمة [والخائنين معه] {في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة} فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه {أم من يكون عليهم وكيلا} حافظا ومحاميا من بأس الله وعذابه.
{ومن يعمل سوءا} ذنبا دون الشرك {أو يظلم نفسه} بالشرك، أو {سوءا} قبيحا يتعدى ضرره إلى الغير كما فعل طعمة بقتادة واليهودي، {أو يظلم نفسه} بما يختص به كالحلف الكاذب { ثم يستغفر الله} يسأل مغفرته، [يعني بالتوبة، وليس بمجرد الاستغفار باللسان، وتوبة المشرك بالنطق بالشهادتين والدخول في الإسلام] {يجد الله غفورا رحيما} له، وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة.
([3]) ذكر في الأصل هنا كما في عدد من التفاسير أن النبي عليه الصلاة والسلام هم أن يخاصم عن طعمة ولكن رد ذلك عدد ءاخر من المفسرين، قال في تأويلات الماتريدي بعد أن ذكر أن أكثر أهل التفسير يقولون إن النبي عليه السلام هم بالدفع عن طعمة: «فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن»، وهو مأول عند من قال به بأنه لم يظهر عند النبي ﷺ من طعمة الخيانة إذ ذكر في القصة أن الدرع وجدت في دار غيره وأنه شهد معه بعض أقربائه ليدفعوا عنه الخيانة والتهمة، وقد بين القرءان الكريم أنهم خاصموا عنه بالباطل وخانوا في الشهادة له وهم يعلمون أنه سارق.
- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
