تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) - {لن يضروكم إلا أذى} إلا ضررا مقتصرا على أذى بقول من طعن في الدين أو تهدد أو نحو ذلك {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} منهزمين ولا يضروكم بقتل أو أسر {ثم لا ينصرون} ثم لا يكون لهم نصر من أحد، ولا يمنعون منكم، وفيه تثبيت لمن أسلم منهم، لأنهم كانوا يؤذونهم بتوبيخهم وتهديدهم.
- {ضربت} ألزمت {عليهم الذلة} على اليهود {أين ما ثقفوا} وجدوا {إلا بحبل من الله} إلا معتصمين أو متمسكين بحبل من الله {وحبل من الناس} الحبل: العهد والذمة، والمعنى ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، يعني ذمة الله وذمة المسلمين، أي لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمة، لما قبلوه من الجزية [وحفظ المسلمين لعهد الذمة فيهم، وإلا فهذا لا يخرجهم من الذلة في أنفسهم] {وباؤوا بغضب من الله} استوجبوه {وضربت عليهم المسكنة} الفقر عقوبة لهم على قولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء، أو خوف الفقر مع قيام اليسار {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق} ذلك إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والـمسكنة والبوء([1]) بغضب الله، أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، ثم قال: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي ذلك الكفر وذلك القتل كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده.
- {ليسوا سواء} ليس أهل الكتاب مستوين {من أهل الكتاب أمة قائمة} جماعة مستقيمة عادلة هم الذين أسلموا منهم {يتلون ءايات الله} القرءان {آناء الليل} ساعاته {وهم يسجدون} يصلون.
- {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف} بالإيمان وسائر أبواب البر {وينهون عن المنكر} عن الكفر ومنهيات الشرع {ويسارعون في الخيرات} يبادرون إليها خشيت الفوت {وأولئك} الـموصوفون بما وصفوا به {من الصالحين} من المسلمين، أو من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم.
- {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين} بشارة للمتقين بجزيل الثواب.
- {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي من عذاب الله {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
- {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا} في الـمفاخر والـمكارم وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس، أو ما يتقربون به([2]) إلى الله مع كفرشهم {كمثل ريح} كمثل مهلك ريح، وهو الحرث، أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح {فيها صر} برد شديد {أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم} بالكفر {فأهلكته} عقوبة على كفرهم {وما ظلمهم الله} بإهلاك حرثهم {ولكن أنفسهم يظلمون} بارتكاب ما استحقوا به العقوبة.
- {يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة} بطانة الرجل خصيصته وصفيه، شبه ببطانة الثوب {من دونكم} من دون أبناء جنسكم، وهم المسلمون {لا يألونكم خبالا} لا يقصرون في فساد دينكم، يقال: ألا في الأمر يألو: إذا قصر فيه، والخبال الفساد {ودوا ما عنتم} أي عنتكم، والعنت شدة الضرر والمشقة، أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر وأبلغه {قد بدت البغضاء من أفواههم} لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين {وما تخفي صدورهم} من البغض لكم {أكبر} مما بدا {قد بينا لكم الآيات} الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه {إن كنتم تعقلون} ما بين لكم.
- {هاأنتم أولاء} أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب {تحبونهم ولا يحبونكم} بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء {وتؤمنون بالكتاب كله} تؤمنون بكتابهم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؛ وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم {وإذا لقوكم قالوا ءامنا} أظهروا كلمة التوحيد {وإذا خلوا} فارقوكم أو خلا بعضهم ببعض {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} يوصف الـمغتاظ والنادم بعض الأنامل والبنان والإبهام {قل موتوا بغيظكم} دعاء عليهم بأن يزداد غيظكم حتى يهلكوا به، والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي {إن الله عليم بذات الصدور} فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق([3]) والبغضاء، وما يكون منهم في حال خلو بعضهم ببعض، وهو داخل في جملة المقول، أي أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا، وقل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور فلا تظنوا أن شيئا من أسراركم يخفى عليه.
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
