تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (122) ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (125) وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم (129) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) - {وإذ غدوت من أهلك} واذكر يا محمد إذ خرجت غدوة([1]) من أهلك بالمدينة، والمراد غدوه من حجرة عائشة رضي الله عنها إلى أحد {تبوئ المؤمنين} تنزلهم {مقاعد للقتال} مواطن ومواقف من الـميمنة والـميسرة والقلب والجناحين والساقة([2]) {والله سميع عليم} سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم.
- {إذ همت طائفتان منكم} حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وكان عليه الصلاة والسلام خرج إلى أحد في ألف، والمشركون في ثلاثة ءالاف، ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخزل([3]) عبد الله بن أبي([4]) بثلث الناس، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا، فهم الحيان باتباعه، فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام {أن تفشلا} أي بأن تجبنا وتضعفا، والفشل: الجبن والخور([5]) {والله وليهما} محبهما أو ناصرهما أو متولي أمرهما، فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على الله {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أمرهم بألا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوضوا أمورهم إلا إليه.
- {ولقد نصركم الله ببدر} وهو اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدرا بعد أحد للجمع بين الصبر والشكر {وأنتم أذلة} لقلة العد – فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم زهاء ألف مقاتل – والعدد – فإنهم خرجوا على النواضح([6]) يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد، ومع عدوهم مائة فرس – والشكة والشوكة([7]) {فاتقوا الله} في الثبات مع رسوله {لعلكم تشكرون} بتقواكم ما أنعم الله به عليكم من النصر.
- {إذ تقول للمؤمنين} يوم بدر، أو يوم أحد {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} للنصرة، ومعنى [ألن يكفيكم} إنكار ألا يكفيهم الإمداد بثلاثة ءالاف من الملائكة.
- {بلى} إيجاب لما بعد «لن»، أي يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية([8])، ثم قال: {إن تصبروا} على القتال {وتتقوا} خلاف الرسول عليه الصلاة والسلام {ويأتوكم} يعني المشركين {من فورهم هذا} من ساعتهم هذه {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يعني أن الله تعالى يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم {مسومين} معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامة يعرفون بها في الحرب.
- {وما جعله الله إلا بشرى لكم} أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون {ولتطمئن قلوبكم به} كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم {وما النصر إلا من عند الله} لا من عند المقاتلة ولا من عند الملائكة، ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة {العزيز} الذي لا يغالب في أحكامه {الحكيم} الذي يعطي النصر لأوليائه ويبتليهم بجهاد أعدائه.
- {ليقطع طرفا من الذين كفروا} ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش {أو يكبتهم} أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، وحقيقة الكبت شدة وهن تقع في القلب فيصرع في الوجه لأجله {فينقلبوا خائبين} فيرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم.
- {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم} المعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا {أو يعذبهم} إن أصروا على الكفر، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم {فإنهم ظالمون} مستحقون للتعذيب.
- {ولله ما في السماوات وما في الأرض} أي الأمر له، لا لك، لأن ما في السمٰوات وما في الأرض ملكه {يغفر لمن يشاء} [المغفرة له] {ويعذب من يشاء} [تعذيبه {والله غفور} [لأوليائه] {رحيم} [بأهل طاعته].
([1]) الغدوة: بفتح الغين وضمها، الخروج أول النهار.
([2]) قلب الجيش: وسطه، وجناحاه: جانباه، وساقته، مؤخرته.
([4]) عبد الله بن أبي المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه، رأس المنافقين في الإسلام.
([6]) النواضح: جمع الناضح وهو البعير.
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
