تفسير سورة البقرة من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114) ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (120) - {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى {تلك أمانيهم} أشير بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم، أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم {قل هاتوا برهانكم} هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة {إن كنتم صادقين} في دعواكم.
- {بلى} [رد لقولهم و]إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة {من أسلم وجهه لله} من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره {وهو محسن} مصدق بالقرءان {فله أجره عند ربه} [ثواب عمله في الجنة] {ولا خوف عليهم} [فيما يستقبلونه من أمر الآخرة] {ولا هم يحزنون} [على ما فاتهم من أمور الدنيا].
- {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} أي على شيء يصح ويعتد به {وهم يتلون الكتاب} أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب. وحق من حمل التوراة والإنجيل وءامن به ألا يكفر بالباقي، لأن كل واحد من الكتابين مصدق للآخر {كذلك} مثل ذلك القول الذي سمعت به {قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} أي الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والـمعطلة، قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء، وهذا توبيخ عظيم لهم([1])، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} أي بين اليهود والنصارى بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب اللائق به.
- {ومن أظلم} استفهام، والمعنى أي أحد أظلم {ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، والسبب فيه طرح النصارى في بيت المقدس الأذى([2])، ومنعهم الناس أن يصلوا فيه، أو منع المشركين رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية، {وسعى في خرابها} بانقطاع الذكر {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها} ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله {إلا خائفين} على حال التهيب([3]) وارتعاد الفرائص([4]) من المؤمنين أن يبطشوا بهم {لهم في الدنيا خزي} قتل وسبي للحربي، وذلة بضرب الجزية للذمي {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} النار.
- {ولله المشرق والمغرب} بلاد المشرق والمغرب كلها له وهو مالكها ومتوليها {فأينما تولوا} أي ففي أي مكان فعلتم تولية وجوهكم شطر القبلة، بدليل قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] {فثم وجه الله} أي جهته التي أمر بها ورضيها، والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان، [وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته»، وقال مجاهد: {فثم وجه الله} أي قبلة الله] {إن الله واسع عليم} هو واسع الرحمة، يريد التوسعة على عباده، وهو عليم بمصالحهم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت.
- {وقالوا اتخذ الله ولدا} يريد الذين قالوا: المسيح ابن الله وعزير ابن الله {سبحانه} تنزيه له تعالى عن ذلك {بل له ما في السماوات والأرض} هو خالقه ومالكه، ومن جملته المسيح وعزير، والولادة تنافي الـملك {كل له قانتون} منقادون لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره، أي كل ما في السموات والأرض.
- {بديع السماوات والأرض} مخترعهما ومبدعهما لا على مثال سبق {وإذا قضى أمرا} حكم أو قدر {فإنما يقول له كن فيكون} هو من كان التامة، أي احدث فيحدث، وهذا مجاز عن سرعة التكوين، ولا قول ثم. وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور الـمطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه إباء. وأكد استبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت صفاته مباينة([5]) لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثم. [وقلنا إن (كن) ليس بأمر حقيقة، لأنه لو كان أمرا فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب بـ(كن)، أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب].
- {وقال الذين لا يعلمون} من المشركين أو من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم، لأنهم لم يعملوا به {لولا يكلمنا الله} هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى استكبارا منهم وعتوا {أو تأتينا ءاية} جحودا لأن يكون ما ءاتاهم من ءايات الله ءايات واستهانة بها {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} لقوم ينصفون فيوقنون أنها ءايات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها.
- {إنا أرسلناك بالحق بشيرا} للمؤمنين بالثواب {ونذيرا} للكافرين بالعقاب {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} ولا نسألك عنهم: ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك في دعوتهم.
{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} كأنهم قالوا: لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا، إقناطا منهم لرسول الله ﷺ عن دخولهم في الإسلام، فذكر الله عز وجل كلامهم {قل إن هدى الله} الذي رضي لعباده {هو الهدى} أي الإسلام، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، والذي تدعون إلى اتباعه ما هو هدى إنما هو هوى {ولئن اتبعت أهواءهم} أقوالهم التي هي أهواء وبدع {بعد الذي جاءك من العلم} بأن دين الله هو الإسلام {ما لك من الله} من عذاب الله {من ولي ولا نصير} ناصر.
([2]) ألقوا فيه الجيف وجعلوا فيه مزبلة.
([4]) ارتعاد الفرائص: اضطرابها، والفريصة لحمة بين الجنب والكتف.
