تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (107) أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110) - {ولما جاءهم رسول من عند الله} محمد ﷺ {مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب} أي التوراة، والذين أوتوا الكتاب اليهود {كتاب الله} يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله ﷺ الـمصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها، أو {كتاب الله} القرءان، نبذوه بعدما لزمهم تلقيه بالقبول {وراء ظهورهم} مثل لتركهم وإعراضهم عنه {كأنهم لا يعلمون} أنه كتاب الله.
- {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} نبذ اليهود كتاب الله، واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها [الشياطين] {على ملك سليمان} على عهد ملكه وفي زمانه، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام، حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه سخر الجن والإنس والريح {وما كفر سليمان} تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان([1]) من اعتقاد السحر والعمل به {ولكن الشياطين} هم الذين {كفروا} باستعمال السحر وتدوينه [وادعائهم أنه علم سليمان] {يعلمون الناس السحر} قاصدين به إغواءهم وإضلالهم {وما أنزل على الملكين} ويعلمونهم ما أنزل على الملكين {ببابل} [المشهور أنه بلد من سواد الكوفة([2])] {هاروت وماروت} علمان للملكين، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به كان كافرا إن [عمل به على وجه] فيه رد ما لزم في شرط الإيمان، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمنا، قال الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله: القول بأن السحر على الإطلاق كفر خطأ، بل يجب البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر، وإلا فلا، وقيل: {أنزل} أي قذف في قلوبهما مع النهي عن العمل([3]) {وما يعلمان من أحد} وما يعلم الملكان أحدا {حتى يقولا} حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا لا: {إنما نحن فتنة} ابتلاء واختبار من الله {فلا تكفر} بتعلمه والعمل به على وجه يكون كفرا {فيتعلمون منهما} فيتعلم الناس من الملكين {ما يفرقون به بين المرء وزوجه} أي علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف ابتلاء منه. للسحر حقيقة عند أهل السنة، كثرهم الله، وعند المعتزلة هو تخييل وتمويه {وما هم بضارين به} بالسحر {من أحد إلا بإذن الله} بعلمه ومشيئته([4]) {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} في الآخرة، وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية([5]) {ولقد علموا} أي اليهود {لمن اشتراه} استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله {ما له في الآخرة من خلاق} من نصيب {ولبئس ما شروا به أنفسهم} باعوها، وإنما نفى العلم عنهم بقوله: {لو كانوا يعلمون} مع إثباته لهم بقوله: {ولقد علموا} على سبيل التوكيد القسمي([6])، لأن معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم لا يعلمون.
- {ولو أنهم ءامنوا} برسول الله ﷺ والقرءان {واتقوا} الله، فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين {لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} أن ثواب الله خير مما هم فيه، وقد علموا، لكنه جهلهم لـما تركوا العمل بالعلم، والمعنى لأثيبوا من عند الله ما هو خير.
- {يا أيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} كان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ إذا ألقى عليهم شيئا من العلم: راعنا يا رسول الله، أي راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية، وهي راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين: راعنا، افترصوه([7]) وخاطبوا به الرسول ﷺ وهم يعنون به تلك الـمسبة، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها، وهو انظرنا من نظره إذا انتظره {واسمعوا} وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية([8]) وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا {وللكافرين} ولليهود الذين سبوا رسول الله ﷺ {عذاب أليم} مؤلم.
- {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان، أهل الكتاب والمشركون، {والله يختص برحمته من يشاء} يعني أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، والله يختص بالنبوة من يشاء {والله ذو الفضل العظيم} فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل ا العظيم.
ولما طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، نزل:
- {ما ننسخ من ءاية أو ننسها} تفسير النسخ لغة التبديل. وشريعة بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي، فكان تبديلا في حقنا، بيانا محضا في حق صاحب الشرع، والإنساء أن يذهب بحفظها عن القلوب {نأت بخير منها} نأت بآية خير منها للعباد، أي بآية العمل بها أكثر للثواب {أو مثلها} في ذلك إذ لا فضيلة لبعض الآيات على البعض([9]) {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على الخير وعلى مثله.
- {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} فهو يملك أموركم ويدبرها وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ {وما لكم من دون الله من ولي} يلي أمركم {ولا نصير} ناصر يمنعكم من العذاب.
- {أم تريدون} تقديره بل أتريدون {أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} روي أن قريشا قالوا: يا محمد، اجعل لنا الصفا ذهبا، ووسع لنا أرض مكة، فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات، كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا: اجعل لنا إلٰها {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها {فقد ضل سواء السبيل} قصده ووسطه.
- {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم} أن يردوكم {من بعد إيمانكم كفارا} يردونكم عن دينكم كافرين، نزلت حين قالت اليهود للمسلمين بعد واقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحق لما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم {حسدا} لأجل الحسد، وهو الأسف على الخير عند الغير {من عند أنفسهم} لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك {من بعد ما تبين لهم الحق} أي من بعد علمهم بأنكم على الحق {فاعفوا واصفحوا} فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة {حتى يأتي الله بأمره} بالقتال {إن الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على الانتقام منهم.
{وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير} من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما {تجدوه عند الله} تجدوا ثوابه عنده {إن الله بما تعملون بصير} فلا يضيع عنده عمل عامل.
([2]) سواد الكوفة: قراها، سمي بذلك لخضرة أشجارها وزروعها.
([3]) أورد الإمام النسفي في هذا الموضع قصة باطلة بصيغة التضعيف ولكنه لم يحذر منها فلذا حذفناها من الأصل ونذكرها في الحاشية للتحذير منها وهي قوله: إنهما ملكان اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني ءادم، فكانا يحكمان في الأرض ويصعدان بالليل فهويا زهرة فحملتهما على شرب الخمر فزنيا فرءاهما إنسان فقتلاه، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فهما يعذبان منكوسين في جب ببابل. وهذه القصة ليس لها صحة، وهي من الإسرائيليات، لأن الملائكة يستحيل عليهم فعل المعصية لأن الله تعالى جعلهم مجبولين على الطاعة، لا يختارون إلا الطاعة بمشيئة الله، قال تعالى إخبارا عنهم: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] فلا يجوز اعتقاد صحة هذه القصة لأنها مخالفة لصليح القرءان.
([4]) الإذن هنا المشيئة لا الأمر والرضا، وفي هذا إبطال مذهب المعتزلة لأنهم يقولون: المعاصي ليست بمشيئة الله تحصل، إنما هي بمشيئة العباد، فالآية صريحة في إبطال دعواهم.
([6]) لأن اللام وقد للتأكيد بمنزلة القسم.
([9]) إن نظرنا إلى كلام الله الذاتي أنه كلام واحد لا يقال منه أفضل ومنه مفضول، لكن اللفظ المنزل بعضه فيه تخفيف وبعضه فيه تثقيل، في هذا أفضل ومفضول.
