تفسير سورة البقرة من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة البقرة من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73) ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) - {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض} لم تذلل للكراب([1]) وإثارة الأرض {ولا تسقي الحرث} ولا هي من النواضح التي يسنى عليها([2]) لسقي الحروث {مسلمة} عن العيوب وءاثار العمل {لا شية فيها} لا لمعة في نقبتها([3]) من لون ءاخر سوى الصفرة فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها {قالوا الآن جئت بالحق} بحقيقة وصف البقرة وما بقي إشكال في أمرها {فذبحوها} فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها {وما كادوا يفعلون} لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة في ظهور القاتل.
- {وإذ قتلتم نفسا} بتقدير: واذكروا، خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم {فادارأتم فيها} فاختلفتم واختصمتم في شأنها {والله مخرج ما كنتم تكتمون} مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوما.
- {فقلنا اضربوه ببعضها} [أي اضربوا القتيل] ببعض البقرة وهو لسانها أو فخذها اليمنى أو عجبها([4])، والمعنى فضربوه فحيي فحذف لدلالة {كذلك يحيي الله الموتى} روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله تعالى وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا فأخذا وقتلا، ولم يورث قاتل بعد ذلك، وقوله: {كذلك يحيي الله الموتى} إما أن يكون خطابا للمنكرين([5]) في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وإما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل {ويريكم ءاياته} دلائله على أنه قادر على كل شيء {لعلكم تعقلون} تعملون على قضية عقولكم، وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها، والحكمة في ذبح البقرة وضربه ببعضها وإن قدر على إحيائه بلا واسطة التقرب به الإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، والتعليم لعباده ترك التشديد في الأمور، والمسارعة إلى امتثال أوامر الله من غير تفتيش وتكثير سؤال وغير ذلك.
- {ثم قست قلوبكم} [أيها اليهود عن قبول الحق فلم ينفذ إليها الخير] من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها. وصفة القلوب بالقسوة مثل لنبوها([6]) عن الاعتبار والاتعاظ {من بعد ذلك} إشارة إلى إحياء القتيل أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة {فهي كالحجارة} فهي في قسوها مثل الحجارة {أو أشد قسوة} منها {وإن من الحجارة} بيان لزيادة قسوة قلوبهم على الحجارة {لما يتفجر منه الأنهار} والتفجر التفتح بالسعة والكثرة {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا، وقلوبهم لا تندى([7]) {وإن منها لما يهبط} يتردى من أعلى الجبل {من خشية الله} مجاز عن انقيادها لأمر الله، وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به [وذلك بتقدير الله تعالى أيضا]. وقيل: المراد به حقيقة الخشية على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز {وما الله بغافل عما تعملون} وعيد.
- {أفتطمعون} الخطاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين {أن يؤمنوا لكم} أن يؤمنوا لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم، يعني اليهود {وقد كان فريق منهم} طائفة فيمن سلف منهم {يسمعون كلام الله} أي التوراة {ثم يحرفونه} كما حرفوا صفة رسول الله ﷺ وءاية الرجم {من بعد ما عقلوه} من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم {وهم يعلمون} أنهم كاذبون مفترون. والمعنى: إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك.
- {وإذا لقوا} أي [منافقو اليهود] {الذين ءامنوا} أي المخلصين من أصحاب محمد ﷺ {قالوا} أي المنافقون {ءامنا} بأنكم على الحق وأن محمدا ﷺ هو الرسول المبشر به {وإذا خلا بعضهم} الذين لم ينافقوا [منهم] {إلى بعض} إلى الذين نافقوا {قالوا} عاتبين عليهم {أتحدثونهم} أتخبرون أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام {بما فتح الله عليكم} بما بين الله لكم في التوراة من صفة محمد عليه الصلاة والسلام {ليحاجوكم به عند ربكم} ليجادلوكم ويخاصموكم به بما قلتم لهم عند ربكم في الآخرة، يقولون: كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه {أفلا تعقلون} أن هذه حجة عليكم حيث تعترفون به ثم لا تتابعونه.
- {أولا يعلمون أن الله يعلم} جميع {ما يسرون وما يعلنون} ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان.
- {ومنهم} ومن اليهود {أميون} لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها {لا يعلمون الكتاب} التوراة {إلا أماني} إلا ما هم عليه من أمانيهم وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا تمسهم النار إلا أياما معدودة، أو إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد {وإن هم} وما هم {إلا يظنون} لا يدرون ما فيه فيجحدون نبوتك بالظن.
- {فويل} في الحديث «ويل واد في جهنم [قعره أربعون خريفا]»([8]) {للذين يكتبون الكتاب} المحرف {بأيديهم} من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون منزلا، وذكر الأيدي للتأكيد {ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} عوضا يسيرا {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} من الرشا.
{وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل {قل أتخذتم عند الله عهدا} أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار {فلن يخلف الله عهده} إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} أتقولون على الله ما تعلمون أم تقولون عليه ما لا تعلمون.
([1]) الكراب: قلب الأرض للحرث.
([2]) يسنى عليها: يستقى من البئر عليها.
