#80 – 5-12سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام
لما بلغ سيدنا عيسى المسيح عليه السلام الثلاثين من عمره، أوحى الله تعالى إليه أن يدعو الناس إلى عبادة الله عز وجل، فخرج عليه السلام يجوب البلاد ويجول في القرى، يدعو إلى دين الإسلام العظيم قائلا للناس: “اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا وءامنوا بأني رسول الله إليكم”، فآمن به أول من ءامن اثنا عشر شخصا يسمون “الحواريين”. ويروى أنه كان من أول معجزات سيدنا عيسى عليه السلام، أن والدته السيدة مريم عليها السلام دفعته مرات عديدة للقيام بأعمال شتى، وءاخر من دفعته إليهم كانوا جماعة صابغي الثياب يبيضونها ويلونونها، فأراد صاحب العمل السفر، فقال لسيدنا عيسى عليه السلام عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان، وقد علمتك الصبغة فاصبغ كل واحدة منها باللون الذي حددته لك ووضعت خيطا من اللون المطلوب عليها، فسخن سيدنا عيسى وعاء واحدا كبيرا ووضع فيه ألوانا عديدة، ثم وضع الثياب كلها في هذا الوعاء وقال كوني بإذن الله على ما أريده منك، فعاد صاحب العمل من السفر والثياب كلها في الوعاء، فلما رءاها دهش وقال لقد أفسدتها، فأخرج سيدنا عيسى عليه السلام ثوبا أحمر وثوبا أصفر وءاخر أخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغته، فعجب صاحب العمل وعلم أن ذلك من الله فآمن بسيدنا عيسى عليه السلام ودعا الناس إليه فآمنوا به، وكان هذا الرجل من جملة الحواريين الذين كانوا يشدون أزر سيدنا عيسى في دعوته إلى دين الله تعالى. وتوالت المعجزات، فمر يوما بجماعة يصطادون السمك ورئيسهم يدعى “شمعون”، فقال لهم سيدنا عيسى عليه السلام: “ما تصنعون؟” قالوا: “نصيد السمك”، قال: “أفلا تمشون حتى نصيد الناس؟” أي لنهديهم إلى الإسلام العظيم، قالوا: “ومن أنت؟” فأجاب: “أنا عيسى بن مريم عبد الله ورسوله”، فسألوه دليلا يدلهم على صدقه في ما قال، وكان شمعون قد رمى بشبكته في الماء تلك الليلة فما اصطاد شيئا، فأمره سيدنا عيسى عليه السلام بإلقاء شبكته مرة أخرى ودعا الله تعالى متضرعا إليه، فما هي إلا لحظات يسيرة حتى اجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق من كثرته، فاستعانوا بأهل سفينة أخرى وملئوا السفينتين من السمك، فعند ذلك ءامنوا به وانطلقوا معه، فصاروا من جملة الحواريين، الذين كانوا يصطادون السمك، فلما ءامنوا بسيدنا المسيح عيسى عليه السلام صاروا يصطادون الناس ليهدوهم إلى دين الإسلام العظيم، وسموا بالحواريين لبياض ثيابهم وقيل بل لأنهم كانوا أنصار سيدنا عيسى عليه السلام وأعوانه المخلصين في محبته وطاعته وخدمته. لكن لم يكن اليهود بعيدين عن أخبار تلك المعجزات الباهرات التي كانت تظهر على سيدنا عيسى المسيح، وشعروا وكأن البساط يسحب من تحتهم وأنه يهدد كراسيهم ومناصبهم، وها هو سيدنا عيسى الثابت القوي بالحجة والبرهان، يفضح أسرارهم، وينشر بين الناس مخازيهم، فأجمعوا أمرهم بينهم على محاربته أينما حل، وتكذيبه حيثما ذهب. ويوما قالوا له إن كنت صادقا في قولك ودعوتك فصور لنا خفاشا من الطين واجعله يطير، فقام سيدنا عيسى متوكلا على الله تعالى وأخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فقام يطير بإذن الله بين السماء والأرض وسط دهشة الناظرين، ولكنه ما إن غاب عن أعينهم حتى سقط ميتا، فاغتاظ اليهود إذ طلبوا الخفاش لأنه من أعجب وأغرب الخلق، ومن أكمل الطيور خلقا، لأن لأنثاه ثديين وأسنانا وأذنين ومن عجائبه أنه من لحم ودم يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور، فيكون له الضرع يخرج منه اللبن ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة، ويضحك كما يضحك الإنسان، وتحيض أنثاه كما تحيض المرأة فسبحان الله تعالى الخالق العظيم وكان تسوية الطين والنفخ من سيدنا عيسى والخلق بلا شك من الله تبارك وتعالى. فسبحان الله العظيم والصلاة والسلام على سيدنا عيسى المسيح الكريم والله تعالى أعلم وأحكم. نقف هنا الآن لنكمل الكلام في الحلقة القادمة من سلسلة قصص الأنبياء في ما بدأناه عن ذكر معجزات سيدنا عيسى المسيح عليه السلام فتابعونا وإلى اللقاء.