الإثنين فبراير 16, 2026

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير﴾.

أيها الأحبة تمر علينا في هذا الشهر الكريم رجب ذكرى الإسراء والمعراج، وهي مناسبة سامية لذكرى راقية يحتفل بها لعظيم مدلولها وجلال قدرها، كيف لا وهي معجزة كبرى خص بها محمد بن عبد الله النبي الأمي العربي الأمين، خاتم الأنبياء وأوفى الأوفياء فقد كان إسراؤه من مكة المكرمة للأقصى الشريف، ومعراجه إلى السماوات العلا ورجوعه في جزء ليلة يخبر أهل الأرض عما رأى من العجائب ويصف لهم الأقصى نافذة نافذة، دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا على صدق دعوته وحقية نبوته.

أيها الأحبة لقد أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس على متن البراق وهو دابة من دواب الجنة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند منتهى طرفها فركب عليها ومعه جبريل عليه السلام فسار إلى طيبة حيث صلى ثم أكمل إلى طور سيناء وصلى هناك ثم أكمل إلى بيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام وصلى هناك ثم دخل بيت المقدس فجمع له الأنبياء عليهم السلام فقدمه جبريل حتى أمهم ثم  عرج به أي صعد به إلى السماء فرأى صلى الله عليه وسلم في السماء الأولى ءادم، وفي الثانية رأى عيسى ويحيى، وفي الثالثة رأى يوسف، وفي الرابعة رأى إدريس، وفي الخامسة رأى هارون، وفي السادسة رأى موسى، وفي السابعة رأى إبراهيم. و لما عرج به إلى السماوات بلغ سدرة المنتهى وهي شجرة عظيمة بها من الحسن ما لا يستطيع أحد من خلق الله أن يصفه، ومن حسنها وجدها الرسول صلى الله عليه وسلم يغشاها فراش من ذهب أوراقها كآذان الفيلة وثمارها كالقلال وهناك رأى نبينا صلى الله عليه وسلم سيدنا جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى على صورته الأصلية ، فدنا جبريل من نبينا صلى الله عليه وسلم لشدة شوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان ما بينهما قدر ذراعين بل أقل، كما قال تعالى ﴿ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ وليس المقصود بهذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم دنا من ربه تعالى بالمسافة والجهة حتى صار أقرب إليه من ذراعين لأن الله تعالى ليس جسما ذا كمية وليس له مكان ولا جهة فيستحيل عليه القرب المسافي والبعد المسافي وهذا أمر ظاهر بين. فالزم أخي عقيدة أهل السنة تكن من الفائزين بإذن رب العالمين.

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها الأحبة في السماء السابعة البيت المعمور، وهو بيت مشرف، وهو لأهل السماء كالكعبة لأهل الأرض، كل يوم يدخله سبعون ألف ملك يصلون فيه ثم يخرجون ولا يعودون أبدا ثم وصل إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام التي تنسخ بها الملائكة في صحفها من اللوح المحفوظ أي صوت جري القلم على صحائفهم، ورأى عليه الصلاة والسلام الجنة وهي الدار التي أعدها الله لتنعيم المؤمنين، ومكانها فوق السماء السابعة ورأى فيها الحور العين ورأى العرش، والعرش هو جرم كبير خلقه الله تعالى وجعله سقف الجنة وهو أكبر منها حجما بل هو أكبر مخلوقات الله حجما وهو كالسرير الكبير له قوائم أربع يحمله اليوم أربعة من الملائكة ويوم القيامة يكونون ثمانية. وقد خلق الله تعالى العرش إظهارا لقدرته لا ليتخذه مكانا لذاته.

وقال بعض العلماء كان ذهابه من مكة إلى المسجد الأقصى وعروجه إلى أن عاد إلى مكة في نحو ثلث ليلة، فأخبر الكفار فلم يصدقوه وكذبوه واستهزؤوا به فتجهز ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا له، «هل لك في صاحبك يزعم أنه قد جاء بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة» فقال أبو بكر «أو قال ذلك؟ قالوا نعم قال «فأشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق» قالوا «فتصدقه بأن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال «نعم إني أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء». فبها سمي الصديق رضي الله عنه.

وجمع أبو جهل قومه فحدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم بما رأى، فقال رجل من المشركين أنا أعلم الناس ببيت المقدس وكيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل فإن يكن محمد صادقا فسأخبركم وإن يكن كاذبا فسأخبركم فجاءه ذلك المشرك فقال يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل فرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس من مقعده فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته بناؤه كذا وكذا وهيئته كذا وكذا وقربه من الجبل كذا وكذا فقال الآخر صدقت وفي رواية قال أما النعت أي الوصف فقد والله أصاب».

فالإسراء والمعراج إخوة الإيمان من معجزات النبي العظيمة الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم قطعا.