الأربعاء فبراير 18, 2026

مجلس كتاب ” سمعت الشيخ يقول ” -132

الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب

قال فضيلة الشيخ الدكتور جميل حليم الحسيني غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد طه النبي الأمي الأمين العالي القدر العظيم الجاه وعلى آله وصحبه ومن والاه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك  له ولا ضد ولا ند ولا زوجة ولا ولد له ولا شبيه ولا مثيل له ولا  جسم ولا حجم ولا جسد ولا جثة له ولا صورة ولا أعضاء ولا كيفية ولا كمية له ولا أين ولا جهة ولا حيز ولا مكان  له كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان فلا تضربوا لله الأمثال ، ولله المثل الأعلى ، تنزه ربي عن الجلوس والقعود وعن الحركة والسكون وعن الاتصال والانفصال لا يحل فيه شىء ولا ينحل منه شىء ولا يحل هو  في شىء لأنه ليس كمثله شىء .

مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر  فقد كفر .

وأشهد أن حبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه وخليله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبارك وعظم وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين ورضي الله عن جميع الأولياء والصالحين.

أما بعد إخواني وأخواتي في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أذكركم وأذكر نفسي بإخلاص النية لله تعالى في حضور مجلس العلم وأذكركم  بتذكير غيركم وبدعوة غيركم ليعظم لكم الثواب لينتشر العلم ليقل الجهل ليعظم لكم الخير والثواب والبركة.

 ونبدأ بمجلسنا مخلصين لله تعالى متوكلين على الله عز وجل

قال مولانا الشيخ رحمه الله : حديث ” وما أخطأت وما عمدت وما جهلت”

الآن انتبهوا معي هذا الشرح الذي سأذكره الآن شرحه الشيخ رحمه الله على ما يتعلق بالفرد من أفراد الأمة أي بنا نحن، هذا الكلام ليس متعلقا برسول الله ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مستحيل عليه أن يكون جاهلا بأحكام الدين والشريعة هذا لا يصير ولا يحصل ولا يليق إنما الشرح الذي سأذكره الآن الذي ذكره الشيخ تحت هذا الحديث هو بما يتعلق بنا نحن وليس برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نبين المعنى الآخر للحديث

قال رحمه الله : معناه الجهل الذي فيه ترك تعلم الضروريات، الذي لا يتعلم ويبقى جاهلا هذا الذي يجهل مسئلة ضرورية لا يتعلم هذا عاص .

لاحظتم؟ هذا عنا نحن ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الرسول بعدما نزل عليه الوحي ونزلت عليه الشريعة لا يصح ولا يقبل ولا يعقل أن يقال إنه لم يتعلم ، بل هو أعلم خلق الله صلى الله عليه وسلم ، إنما هذا الأمر بما يتعلق بالمكلفين ، فيجب على كل مكلف أن يتعلم قدرا من علم الدين يقال له علم الحال ويقال له علم الدين الضروري ويقال له الفرض العيني ، يعني من كان جاهلا بهذا القدر من العلم ، من لم يتعلم فهو هالك لأنه لم يؤد فرض التعلم لأن الأمور الدينية أمور علمية وأمور عملية .

فمن الأمور العلمية هناك قدر فرض واجب مؤكد على كل مكلف من الرجال والنساء أن يحصلوه وهو هذا الذي قلنا إنه علم الدين الضروري أو علم الحال أو الفرض العيني ، ثم هذا المكلف الواحد منا إن عمل معصية ولا يعرف أنها معصية لا يكون معذورا ، ثم إذا أراد أن يتوب وهو لا يعرف أنها معصية كيف يتوب منها ؟ فإذا هو مقصر ، فعليه أن يتعلم ليعرف أنها معصية ثم إذا وقع  فيها يصح له أن يتوب ويندم ويرجع عنها لأنها يعتقد ويعرف أنها معصية

أما إذا كان واقعا في المعصية وقال أنا لا أعرف أن هذه معصية وأتوب من كل المعاصي لكن لا يعرف أن هذه معصية معناه هو ما زال مقيما عليها لأنه كيف يتصور الخلاص منها والتوبة وهو لا يعتقد أنها معصية ؟ فيتبين أن هذا الإنسان مقصر وعليه معصية لأنه بهذا الجهل هو عاص ، ثم بارتكابه للمعصية هذه معصية ثانية كما أن الذي تعلم الفرض العيني أدى هذا الفرض -فرض التعلم- لكن يبقى عليه فرض آخر فرض العمل ، يعني فرض التعلم وفرض العمل بالعلم

كما قلنا الأمور الدينية أمور علمية وأمور عملية ، من الأمور العلمية أن يعرف أن المحرمات هذه معاصي هذه محرمات واجب علينا أن نتعلم ذلك لنتجنبها ، فمن عرف أن هذه معصية ثم وقع فيها تصح منه التوبة لأنه أقلع عنها عرف أنها معصية أقلع عنها أشعر قلبه بالخوف من الله وكان خوفه من الله لأنه عصى الله وعزم في قلبه أنه لا يعود إلى هذه المعصية ولا إلى مثيلاتها ولا إلى المعصية ، فهذا تصح منه التوبة لأنه يعرف أنها معصية ويريد الخلاص منها ، أما من بقي مسترسلا في الجهل ومستمرا على الجهل كيف يعرف أنها معصية؟ وإن كان لا يعرف أنها معصية كيف يتصور أنه يريد الخلاص منها ؟ فيبقى عاصيا ، يبقى واقعا في الذنب .

 

“وما أخطأت وما عمدت وما جهلت ”

فالإنسان إذا عمل المعاصي لو كان جاهلا أنها معصية وكان واقعا فيها هذا يكون عصى الله تعالى قصر في التعلم ثم وقع في المعصية .

وأما التوبة من هذه المعاصي التي يذكرها الآن قال ” وما عمدت وما جهلت” يعني الآن لا يذكر أنه عمل تلك المعصية لكن هو يعرف أنها معصية .

مثلا من شهر عمل معصية وهو يعرف أنها معصية ولو تذكرها يعرف أنها معصية ويعتقد أنه يجب عليه أن يتوب منها ويعرف أنه تجب عليه التوبة لكن الآن لا يذكرها ، هذا يصح أن يقول تبت وندمت ورجعت عن كل المعاصي عن كل الآثام عن كل المحرمات ، لو كان الآن لا يذكرها لكن يعرف أنها معصية هذا يصح منه .

أما  لو قال أتوب من المعاصي التي أعرف أنها معاصي ومن الأشياء التي  لا أعرف أنها معاصي ، كيف لا يعرف أنها معصية ويتوب منها ؟ يعني لا يتصور أنه يريد الخلاص منها  لأنه لو قيل له ماذا تقول في هذا العمل ؟ يقول لا أعرف أنها معصية ، ماذا تقول في هذه الكلمة ؟  يقول لا أعرف أنها معصية، فعندما يتوب بزعمه كيف يتصور أنه يتوب من شىء بزعمه لا يعرف أنه معصية ولا يريد الخلاص منه ولا يعرف أنه محرم ؟

فإذا هذا بحيث لو كان ذاكرا لها لعرف أنها معصية هذا الذي يصح أن يقول تبت من كل الذنوب والمعاصي والآثام ما أذكره الآن وما لا أذكره لكن لو عرضت عليه لو ذكر بها يعرف أنها معصية ويريد الخلاص منها فهذا يصح له

أما الإنسان الذي لم يتعلم يكون والعياذ بالله تعالى أهلك نفسه ويكون مستمرا في المعصية .

قال الشيخ رحمه الله : قال سيدنا علي ” الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب ” معناه الذي يجمع المال بالحلال يسأل يوم القيامة  لكن لا يعاقب، الذي جمع  بالحلال لا يحصل له انزعاج أما الذي جمع من حرام فيستحق أن يعذب يستحق أن يعاقب ، الله تعالى خلق البشر على أحوال شتى ، خلق أناسا وكتب لهم رزقا حلالا واسعا جدا وخلق أناسا وكتب أنهم يجمعون المال بالحرام ويصرفونه بالحرام.

كان في حلب رجل يقال له عثمان باشا التركي هذا رزقه الله المال الحلال الكثير الكثير بنى مسجدا لعله أيام السلطان عبد الحميد أو قبله ، بنى مسجدا كبيرا كأنه قلعة

هنا الآن عندنا فؤائد عديدة أولا هذا القول الذي قاله سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه ينبغي لكل واحد منا أن يعرض نفسه على هذا القول وأن يقف عنده وأن يحاسب نفسه وأن ينظر في معنى هذا الكلام ” الدنيا حلالها حساب ” يا إخواني يا أخواتي هذا فيه تنبيه عظيم لأجل أن يعمل الإنسان بالحلال ويجمع بالحلال ويصرف بالحلال وأن يتجنب الحرام لأنه سيقول إذا كان حلالها حساب وحرامها عقاب فكيف أفعل الحرام وكيف أجمع المال من حرام وكيف أعمل بالحرام ؟ يصير يحاسب نفسه ، يصير يقف وينتبه ولا يتمادى .

فهذا الكلام معناه أن الإنسان يوم القيامة يسأل عما جمعه من حلال لكن لا يعاقب على ذلك ، لا يعاقب أنه جمعه من حلال ، أما الذي جمعه من حرام فإنه يسأل ويعاقب

الأول جمع من حلال يسأل لكن لا يعاقب لأنه جمع من حلال ، الثاني جمع من حرام يسأل ويستحق أن يعاقب لأنه جمع من الطرق التي حرمها الله عليه .

والناس أنواع بعض الناس الله تعالى كتب لهم أنهم يعطون مالا كثيرا بالحلال ويرزقون أموالا كثيرة وطائلة بالحلال ويصرفونها في الحلال ، فهؤلاء من هذه الناحية ليس عليهم عقاب ليس عليهم عذاب ، من هذه الناحية في هذه القضية لأنه جمع من حلال وصرف في حلال .

الآن سنتوسع قليلا في قضية الصرف

وأناسا الله تعالى خلقهم وكتب عليهم أنهم يجمعون من حرام ويصرفون في الحرام ويعملون في الحرام فهؤلاء عاقبتهم وخيمة .

وهنا قد يسأل سائل يقول: هو كتب عليهم هو قدر عليهم فلماذا يعاقبون؟ انتبهوا لأن المعتزلة القدرية  الذين يكذبون بالقدر والذين نقل الإجماع على كفرهم الإمام البغدادي أبو منصور عبد القاهر بن طاهر رحمه الله تعالى يشوشون على الناس ، يقولون إذا كان حصل بقضائه وقدره وبخلقه فلماذا يعاقبهم ؟

ويقولون ما يفعله الإنسان بإرادته ليس بقضاء الله وقدره وليس بخلق الله هذا بخلق الإنسان ، هؤلاء كفار ومن شك في كفرهم كافر معهم لأنه شك في كفر من جعل لله الشركاء .

الآن انتبهوا جيدا ، إذا سئلتم هذا السؤال هو كتب عليهم أن يجمعوا بالحرام وكتب عليهم أن يعملوا بالحرام ويعاقبهم ، وهذا عدل منه سبحانه لأن الله يفعل في ملكه ما يشاء ولأن الظلم مستحيل على الله ، فإذا قيل لكم لماذا يعاقبون وهم فعلوا ما قدر عليهم وما كتب عليهم ؟

احفظوا الجواب : الله سبق في علمه الأزلي أنهم هم سيختارون أن يجمعوا المال بالحرام ويعملوا بالحرام ويصرفوا في الحرام وأنهم يفعلون ذلك بإرادتهم واختيارهم وعزمهم وقصدهم وتصميمهم فحصل منه ما علم الله في الأزل ، حصل منهم ما شاء الله في الأزل وما علم في الأزل أنهم يفعلونه بإرادتهم

نعم تحت مشيئة الله نعم قدر عليهم نعم شاء لهم نعم بقضائه وقدره لكن هل هو أمرهم أن يفعلوا الحرام ؟ لا ، هو نهاههم هو حرم عليهم ، هو ما أمرهم أن يأكلوا المال بالحرام ولا أمرهم أن يجمعوا بالحرام بل نهاهم عن ذلك لكن هم بإرادتهم وقصدهم حصل منهم ما شاء الله في الأزل وما علم الله في الأزل أنهم يفعلونه بإرادتهم وباختيارهم وعندما وجهوا قصدهم وجهوا إرادتهم نحو السرقة نحو الإتجار في المحرمات في الغصب في القتل لأجل السرقة في ظلم العباد لأجل أخذ أموالهم بإرادتهم وقصدهم وتصميمهم هل هذا  يكون منهم رغما عنهم أم بإرادتهم ؟ بإرادتهم ، هل يكونون بذلك أطاعوا الله أم عصوا الله ؟ عصوا الله ، فماذا يستحقون؟ العقاب ، والله لا يكون ظالما لهم لأنه في الأزل شاء لهم وفي الأزل هو عالم أنهم سيفعلون ذلك بإرادتهم بتصميمهم ، فهم بذلك أطاعوا الله أم عصوه ؟ عصوه فاستحقوا العقاب واستحقوا العذاب عندما وجهوا قصدهم وإرادتهم نحو الغصب والسرقة والزنا لأجل أخذ المال لأن من الناس من يزني فيأخذ المال على الزنا أو يقتل لأجل أن يأخذ المال ، هل هذا يقبل العاقل أن يقول إن المكلف فعله بإرادته وتصميمه وقصده ولا يكون عليه عقاب؟ هذا تشجيع على الفسق والفجور وعلى أخذ مال الناس بالحرام وعلى قتل الناس لأخذ أموالهم وعلى الزنا بالنساء لأخذ المال منهن ، فالذي يقول لا يستحق العقاب على ذلك كأنه يقول يا أيها الناس اقتلوا بعضكم لتسرقوا أموال بعضكم ، كأنه يقول السرقة وكل المعاملات المحرمة افعلوها لا معصية فيها وهذا تكذيب للدين والشريعة .

فإذا هو مستحق للعقاب ، نعم بتقدير الله ومشيئته وعلمه لكن كان ذلك أيضا بإرادته التي هي تحت مشيئة الله ،  بقصده وتصميمه التي هي تحت مشيئة الله

{وما تشآءون إلآ أن يشآء الله رب العالمين}[التكوير/٢٩] لأنه لو لم يكن بمشيئة الله لكان الله مغلوبا ، لأنه لو لم يكن بمشيئة الله لكان الله مقهورا ، لأنه لو لم يكن بمشيئة الله لكان الله عاجزا ولدخل في ملكه شيء ما أراده وهذا دليل الضعف والعجز والمغلوبية .

فمن هنا يعرف كفر وزندقة ووقاحة وبجاحة وصفاقة وجهل محمد راتب النابلسي الذي قال إن الشر ليس له خالق ، الذي قال من ألفاظ الكفر أن تقول قدر الله وما شاء فعل ، أعوذ بالله العظيم من الزندقة والكفر ومن عمى القلب والجهالة العريضة ، هذه الكلمة ” قدر الله وما شاء فعل ” إجماع الأمة الإسلامية عليها ، هذه عقيدة الأنبياء والملائكة والأولياء والمسلمين ، وهذا الزنديق يقول إن هذا الكلام من ألفاظ الكفر يعني يكفر الأنبياء يكفر الأولياء يكفر الملائكة يكفر النبي يكفر الصحابة يكفر السلف والخلف ويكفر أهل البيت وكل المسلمين .

أليس في القرآن {وما تشآءون إلآ أن يشآء الله رب العالمين}[التكوير/٢٩] ؟ أليس في القرآن {ما شآء الله لا قوة إلا بالله}[الكهف/٣٩] ؟ أليس في الحديث ” ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ” ؟ أليس في الحديث ” لو قدر كان ” ؟ وهذا اللفظ ” قدر الله وما شاء فعل ” هذه عقيدة كل مسلم

وأما هذا الجهول وهذا المنادي على نفسه بالزندقة والجهالة العريضة يقول إن هذا الكلام من ألفاظ الكفر والعياذ بالله .

وله مقطع فيديو يقول الشر ليس له خالق ، والله يقول {قل الله خالق كل شىء}[الرعد/١٦] ما قال الخير فقط ، {قل الله خالق كل شىء} تشمل الخير والشر الذي يحصل من أفعال العباد

أليس الله يقول { هل من خالق غير الله }[فاطر/٣] ؟ { والله خلقكم وما تعملون }[الصافات/٩٦] { من شر ما خلق }[الفلق/٢] وآيات كثيرة ، إذا هذا الرجل لا يستحي لا من الله ولا من الأنبياء ولا من المسلمين

يقول عن عقيدة الأنبياء إنها من ألفاظ الكفر ويقول الشر ليس له خالق ، وهذا في مقطع فيديو له نشر وموجود بين الناس يحذرون منه ، موجود على المواقع صوت وصورة ، هذا تكذيب للإسلام .

عرفتم لماذا هذا الإنسان الذي جمع من حرام وصرف في الحرام عرفتم لماذا يستحق العقاب في الآخرة ؟

انتبهوا المسئلة سهلة : هل أطاع الله أم عصى الله ؟ كل واحد يعرف الجواب ، عصى الله ، هل عمل بذلك ما هو حلال أم ما هو حرام ؟ ما هو حرام ، هل عمل خيرا أم عمل شرا ؟ عمل شرا لذلك استحق العقاب وهذا كان بإرادته وبتصميمه وبتوجيه قصده نحو الشىء

أليس الله يقول { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }[البقرة/٢٨٦] ؟ لذلك هذا الذي جمع من حرام هو مستحق للعقاب يوم القيامة .

بعض الناس الله تعالى كتب لهم أن يكون لهم مالا حلالا واسعا يستعملونه في وجوه البر والخير مثل هذا عثمان باشا العثماني الذي كان في حلب وكان باشا، ويمكن كان أيام السلطان عبد الحميد رحمات الله عليه ، كان له مال كثير بالحلال ليس مال الضرائب وليس مال الغصب وليس مال الزنا وليس مال الخمر وليس مال السرقات لأن اليوم بعض الزعماء وبعض الأغنياء وبعض الباشاوات يجمعون بالحرام ، في بعض المناطق والقرى والمدن هذا الزعيم يتسلط على الناس فيأخذ ضرائب على الأرض على الزراعة على التجارة على الدكاكين على الأموال على الأعمال ، أو يتسلط على الأرض والدكان فيأخذها من الفقير من الناس ، هؤلاء فسقة فجرة لو كان باشا لو كان وزيرا لو كان نائبا لو كان قائدا لو كان زعيما ، هؤلاء الزعماء الظلمة الفسقة الفجرة موقفهم صعب يوم القيامة .

الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ” اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”

وقال صلى الله عليه وسلم ” من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة ” فكيف بالذي يأخذ ذراعا ؟ كيف بالذي يأخذ مترا ؟ كيف بالذي يأخذ مائة متر ؟ خمسمائة متر ؟ ألف متر ؟ يأخذ أرضا يأخذ بناء يأخذ قصرا يأخذ بيتا يأخذ دكانا ، نسأل الله السلامة

حديث ثالث ” ولعن الله من غير منار الأرض ” العلامة الحدود ، هذا الذي يغير منار الأرض الرسول عليه السلام يقول عنه ملعون ، الله لعنه .

يحصل عندما يكون إنسان له أرض متصلة بأرض جاره أو بأرض قريبه أحيانا يضع العلامة داخل أرض جاره أو أرض أخيه أو أرض أيتام أخيه ، يعني أخوه مات وترك أيتاما صارت الأرض للأيتام ، يأتي عمهم فيضع العلامة في أرض الأيتام أو في أرض أخيه الحي أو في أرض الجيران أو في أرض الغريب ليس شرطا أن يكون قريبا ، يدخل العلامة إلى أرض جاره أو قريبه أو الأيتام إن كان قدر ذراع له هذه العقوبة فكيف إذا كان أكبر وأكثر ؟

” من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة ” هذه القطعة من الأرض التي أخذها ظلما لو كانت قدر شبر أصلها يكون ممتدا متصلا بالأرض السابعة يوم القيامة ثم تأتي هذه القطعة التي هي قيد شبر وتمتد إلى موقف القيامة وتصير كالطوق ثم تمسكه من عنقه ويفضح بذلك يوم القيامة ويعذب يكاد يختنق ولا يموت ، إذا كان هذا قيد شبر كيف إذا كان مائة ذراع أو ألف ذراع أو أرض كاملة أو قرية بأكملها ماذا سيفعل هذا الظالم ؟ يوم القيامة تظهر عجائب وغرائب .

مثال آخر في نفس الموضوع ، الذي يأكل المال بالحرام ، الذي يأكل أموال الأيتام ظلما بغيا وعدوانا تعرفون من جملة ما له من العذاب أنه يخرج يوم القيامة من قبره وبطنه تتأجج نارا ثم هذه النار في بطنه ترتفع إلى أن تخرج من فمه ، وهذا زيادة على أنه يستحق أن يدخل جهنم والعذاب في جهنم أكبر لكن هذا من العذاب الذي له قبل أن يدخل جهنم ، ثم يدخلها بهذا الفسق والفجور { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا }[النساء/١٠] هذا في موقف القيامة وسيدخل النار {وسيصلون سعيرا}

اليوم بعض الناس يأكلون أموال أيتام أخيهم ، هو هذا العم الملعون يأكل أموال الأيتام الذين هم أبناء أخيه الميت ظلما وعدوانا ، هو إذا أكل أموال البالغين ظلما وعدوانا يكون ملعونا فكيف إذا أكل أموال الأيتام ؟ فالأمر مخيف .

فهؤلاء الزعماء والأغنياء والتجار والوزراء والنواب والمتسلطين على الضيع والقرى وعلى المدن والذين يتسلطون على الفقراء والضعفاء هؤلاء الذين يأكلون أموال الناس بالباطل وظلما وعدوانا وبغير حق لهم موقف خطير يوم القيامة { إنما يأكلون في بطونهم نارا } إنما يجمعون لأنفسهم الويلات والحسرات والنكد والعذاب والهوان ، إنما يهينون أنفسهم ويحقرونها ويذلون أنفسهم بأكل أموال الناس بالباطل ظلما وعدوانا .

أليس الرسول صلى الله عليه وسلم قال ” كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به “

يا إخواني ، كم من أناس ظلموا بقدر سمكة أخذوا سمكة من صياد ظلما أصيب بيده فانتشر السرطان أو الآكلة في يده فقطعت ثم انتشرت الآكلة في بدنه وقطعوا له رجله وقطعوا له يده وهكذا إلى أن مات ، إذا كان هذا بسمكة ، ظلم صيادا بسمكة كيف الذي يأخذ بناء بعدة طبقات أو أرضا واسعة ؟

هؤلاء الذين يقال لهم الباشا أو الإقطاعي أو الزعيم ويتسلطون على العباد ظلما وعدوانا ماذا سيفعلون يوم القيامة إذا دخلوا جهنم ؟ ماذا سيفعلون في القبر ؟

فإذا بعض الباشاوات والزعماء يجمعون من حرام أما هذا الباشا العثماني الذي كان في حلب كان هو له مال بالحلال ليس من الحرام ، ليس من السرقة ولا من الضرائب ولا من الغصب ولا من أكل أموال الناس بغير حق ولا من أكل أموال الأيتام ، ربما هو كان من عائلة ثرية ربما جاءته تركة من أبيه مثلا ، أبواب الحلال كثيرة ، كان ثريا غنيا ، من ماله الحلال الواسع الكثير بنى مسجدا ضخما في حلب كأنه قلعة .

انظروا إلى النفس الطيبة السخية الكريمة ، وحده من ماله بنى مسجدا كأنه قلعة ، بعض الأغنياء من أهل سوريا أو من أهل تركيا يكون طيبا يكون سخيا جوادا كريما وهو تاجر كبير بالحلال من شدة حبه للخير ينفق على مائة عائلة، من شدة حبه للخير ينشىء دارا للأيتام من ماله الخاص ، من شدة حبه للخير يبني مسجدا يسع لعشرة آلاف مصلي ، هذا موجود .

في بعض تجار سوريا الذين لهم نفوس طيبة وقلوب رقيقة وأموال كثيرة بالحلال أو من بعض تجار تركيا الأغنياء الذين هم بهذه الصفة قلب طيب ونفس سخية ، يني مسجدا يسع عشرة آلاف مصلي من ماله الخاص أو يبني مدرسة للايتام ، هذا موجود في سوريا وفي تركيا وأرض الله واسعة لا يخلو في بعض البلاد الأخرى أيضا موجود لكن هنا لأننا نسمع ويوجد أمثلة ، بعض الحالات كان  في تركيا أو في سوريا إذا قال الخطيب مثلا في محلة أثرياء وفي مسجد كبير وفيه أعداد كبيرة من المصلين ويحضر التجار والأغنياء ، يقول الخطيب نريد أن نبني دارا للأيتام أو نريد أن نبني مسجدا في القرية الفلانية يخرج الناس من المسجد وقد جمعوا كل الكلفة لأن الأثرياء الأغنياء يدفعون بسخاء ، هؤلاء لهم شأن عظيم في الآخرة ، هو مسلم قلبه رقيق وماله حلال يا سعده يا هناه .

بعض التجار من حلب أو من الشام أو من حمص فيهم كرم عجيب وكذلك في تركيا في اسطنبول وفي غيرهم ، لهم أخلاق عالية ونفسياتهم طيبة يدفعون بالملايين للمساجد وللأيتام ولخدمة الفقراء والدين والإسلام ، يا سعده يوم القيامة ، هؤلاء يا هناهم .

 أما التاجر أو الزعيم أو الغني أو الوزير أو النائب أو الباشا الذي جمع من حرام هذا وبال عليه في الآخرة وعار عليه في الدنيا .

جمع من حرام هذا عار ونار وشنار ثم لو صرفه في حرام كان العقاب أشد وكان العذاب أكبر وكان العار أعظم لأنه جمع من حرام وصرف في حرام .

لو جمع من حرام وصرف في وجوه الحلال صورة ، لماذا نقول صورة ؟ لأن هذا المال الذي جمعه من السرقة أو من تجارة الخمر مثلا لو بنى به مسجدا ليس يسع عشرة آلاف مصلي بل يسع مائة ألف مصلي لا يصح منه ولا يقبل وليس له ذرة من الثواب وعليه معصية وعقاب ولا يكون له ثواب على ذلك .

يعني هنا جمع من حرام وصرف في وجوه البر صورة ، يعني بنى دارا للأيتام لكن المال جمعه من حرام ، عليه معصية أنه جمعه من حرام وليس له حسنة ولا ثواب أن أعطاه للأيتام أو صرفه لبناء المسجد أو الأرامل ، أما إن صرفه في الحرام فالعقاب مضاعف والعذاب أشد وأكبر .

جمع من حرام وصرف في الحرام العقاب أعظم وأشد ، جمع من حرام وصرف في وجوه البر صورة ، مثلا كان يسرق ثم صار ماله كثيرا صار كل سنة يقول أنا أرسل عشرة إلى الحج على نفقتي ، هذا المال أنت سرقته ليس ملكا لك ، هذا المال لأصحابه الذين سرقته منهم ، ليس عشرة لو أرسلت مائة إنسان مائة فقير يبكي كل يوم لأجل أن يذهب للحج ولا يستطيع أن يذهب ، أرسلت من هذا الصنف مائة كل عام إلى الحج بالمال المسروق ليس لك ذرة من الحسنات والثواب على ذلك بل عليك كبيرة أنك سرقته وأنت فاسق وفاجر وملعون وخبيث .

أو هذا المال الذي هو سرقه أو كان يزني ، بعض النساء الملعونات الساقطات الفاجرات السافلات المنحطات تكون ميسورة غنية فتطلب الشباب الذين هي تريدهم ليزنوا بها وهي تدفع لهم المال ، فصار هذا الوضيع الخسيس الصغير الرخيص يزني ويأخذ المال صار غنيا ، ثم بهذا المال الذي قبضه على الزنا صار يعطي الأيتام والأرامل وصار يطعم الفقراء ليس له ذرة من الثواب لأنه جمعه بالزنا يعني على زعمه كان يفعل ليأخذ المال منها ، هذا ملعون خبيث ، فهذا المال الذي جمعه من هذا الوجه المحرم من هذه الطرق المحرمة ثم على زعمه صرفه في وجوه الخير لا ثواب له عليه .

وأما من جمع من حلال وصرف في الحلال فلا عقاب عليه في الآخرة وهذا الناجي في قضية المال .

جمع من حلال اشتغل في الحلال تاجر بالحلال تعب وسافر وجمع بالحلال وصرف في الحلال إلى هنا ليس عليه عقاب على الجمع والصرف في الحلال ، لكن هذا المال الذي هو عنده وصار عارفا بالضرورات المتعلقة بإنقاذ المسلمين من الهلاك والضياع والجوع والأمراض

مثلا بلدة جرفها السيل أو بلدة تهجر أهلها من ظلم الكفار كما يحصل مثلا في بورما هؤلاء هربوا من ظلم هؤلاء الكفرة الفجرة الفسقة عباد الأصنام والأوثان الذين يذبحون ويقتلون المسلمين ، هرب أهل البلدة فصاروا مشردين في الشوارع في الطرقات لا مأوى لا طعام ولا لباس ولا شراب ، من في سوريا مثلا في العراق في ليبيا في الصين في فلسطين في لبنان ، الأغنياء علموا بأحوال الفقراء مهجر مشرد يكاد يموت من الجوع يموت من البرد يموت مثلا من التشرد ، هؤلاء الأغنياء يجب عليهم وجوبا مؤكدا أن يدفعوا من أموالهم لإنقاذ المضطرين وإن لم يفعل الأغنياء يموت هؤلاء ، ومع ذلك هؤلاء الأغنياء علموا بهذه الضرورة ولم ينقذوهم ، ذهب صار يصرف المال الكثير على ثوب ابنته في العرس ، فيعمل فستان العرس لابنته بمليون دولار ويترك هؤلاء يموتون من التشرد والبرد والجوع والأمراض وظلم الكافرين يموتون ويصرف مليون دولار على ثوب العرس لابنته لليلة واحدة ، أو أكثر من مليون دولار يعمله كله بالماس والجواهر واليواقيت يفتخر ويتكبر هذا عليه معصية من الكبائر على التكبر والفخر وعليه معصية من الكبائر أنه علم بحال المضطرين المنكوبين المهجرين المشردين ولم يعمل على إنقاذهم وهو قادر عالم بحالهم أو الضرورات الأخرى المتعلقة بنشر الدين والتوحيد والعقيدة ومكافحة الكفريات ، يعلم الأغنياء بهذه الضرورات ويشتري سيارة بثمانمائة ألف دولار يضعها في الشارع ، يعلم بالضرورات ويشتري في كل مدينة قصرا ، يعلم بحال الضرورات ثم يشتري لزوجته الجزدان والنعل الخف مع الثوب بمائتي ألف دولار ، وهو يترك هؤلاء يموتون ، مثل هذا لو كان في الأصل جمع المال من حلال لكن ضيع الفرائض والواجبات التي ذكرناها فهو هالك مستحق لعذاب الله في الآخرة لم يصرف المال فيما فرض الله وفيما أوجب الله .

إخواني قال سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه ” الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب “

والحمد لله رب العالمين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته