الأربعاء يناير 21, 2026

ذكر خبر المائـــــــــــــــــدة التي نزلت من السماء

أنزل الله تبارك وتعالى سورة المائدة وحيا على رسوله صلى الله عليـه وسلم وسميت هذه السورة سورة المائدة لأنها تتضمن قصة المائدة التـي أنزلها الله تبارك وتعالى من السماء عندما سأله عيسى ابن مريم عليــه السلام إنزالها من السماء كما طلب منه أصحابه وتلاميذه الحواريــون، ومضمون خبر وقصة هذه المائدة أن عيسى ابن مريم عليه السلام أمـر الحواريين بصيام ثلاثين يوما فلما أتموها سألوا عيسى عليه السلام إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله تبـارك وتعالى قد تقبل صيامهم وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهــم، وتكون كافية لأولهم وءاخرهم ولغنيهم وفقيرهم، ولكن عيسى عليه السلام وعظهم في ذلك وخاف عليهم ألا يقوموا بشكرها، فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من الله تبارك وتعالى، فلما ألحوا عليه في ذلك قام إلى مصـلاه ولبس ثيابا من شعر وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء ثم أخذ يتضـرع إلى الله تعالى في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا، فاستجـاب الله عز وجل دعاءه فأنزل سبحانه المائدة من السماء والناس ينظرون إليـها وهي تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنو قليلا قليلا وكلما دنت منهم يسأل عيسى المسيح عليه السلام أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها سلامـا وبركة، فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهــي مغطاة بمنديل، فقام عيسى عليه السلام يكشف عنها وهو يقول: “بسم الله خير الرازقين” فإذا عليها من الطعام سبعة من الحيتان وسبعة أرغفــة وقيل: كان عليها خل ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة جدا، ثم أمرهـم نبيهم عيسى عليه السلام بالأكل منها، فقالوا له: لا نأكل حتى تأكل، فلما أبوا أن يبدءوا بالأكل منها أمر عليه السلام الفقراء والمحاويج والمرضى وأصحاب العاهات وكانوا قريبا من الألف وثلاثمائة أن يأكلوا من هـذه المائدة، فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو ءافة أو مرض مزمـــن واستغنى الفقراء وصاروا أغنياء، فندم الناس الذين لم يأكلوا منها لمــا رأوا من إصلاح حال أولئك الذين أكلوا ثم صعدت المائدة وهم ينظـرون إليها حتى توارت عن أعينهم، وقيل: إن هذه المائدة كانت تنزل كل يـوم مرة فيأكل الناس منها، فيأكل ءاخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل: إنه كان يأكل منها كل يوم سبعة ءالاف شخــــــــــــــــص.

ثم أمر الله تبارك وتعالى عيسى عليه السلام أن يقصرها على الفقــراء والمحتاجين دون الأغنياء، فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك فرفعت ومسخ الذين تكلموا في ذلك من المنافقين خنازير. وقـد روي عن الصحابي الجليل عمار بن ياسر أنه قال: “نزلت المائدة مــن السماء خبز ولحم وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا ولا رفعوا لغد، فخانـوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة وخنازير”، يقول الله تبارك وتعالـى: {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائـدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين* قالوا نريد أن نأكل منـــها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون من الشاهدين* قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين* قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [ســـورة المائــــــــــــــــــــــــــــــــدة/١٢-١٥].

ومعنى قوله تعالى حكاية عن أصحاب عيسى عليه السلام: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} أي هل يستجيب ربك لك إن طلبت منه هذا الطلب بدليل هذه القراءة الواردة لهذه الآية وهي: {هل تستطيـع ربك} قال الفراء معناه: هل تقدر أن تسأل ربك، فلا يجوز أن يتوهـم أن الحواريين شكوا في قدرة الله تعالى على إنزال هذه المائدة من السمـاء، فالله تعالى قادر على كل شيء لا يعجزه شيء، وإنما كما يقول الإنسـان لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم مهي وهو يعلم أنه مستطيـــــــع.