تفسير سورة يونس من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة يونس من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) - {وإذا أذقنا الناس} أهل مكة {رحمة} خصبا وسعة {من بعد ضراء مستهم} يعني القحط والجوع {إذا لهم مكر في ءاياتنا} بدفعها وإنكارها. روي أنه تعالى سلط القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون، ثم رحمهم بالحياة، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في ءايات الله ويعادون رسول الله ﷺ ويكيدونه، والمكر: إخفاء الكيد وطيه، {قل الله أسرع مكرا} [أي يا محمد قل لهؤلاء المشركين المستهزئين من حججنا وأدلتنا: الله أسرع محالا([1]) بكم واستدراجا لكم وعقوبة منكم] {إن رسلنا} الحفظة {يكتبون ما تمكرون} إعلام بأن ما تظنونه خافيا لا يخفى على الله، وهو منتقم منكم.
- {هو الذي يسيركم في البر والبحر} يجعلكم قادرين على قطع المسافات بالأرجل والدواب والفلك الجارية في البحار {حتى إذا كنتم في الفلك} أي السفن {وجرين} أي السفن {بهم} بمن فيها {بريح طيبة} لينة الهبوب {وفرحوا بها} بتلك الريح للينها واستقامـتها {جاءتها} أي الفلك {ريح عاصف} ذات عصف {وجاءهم الموج} هو ما علا على الماء {من كل مكان} من البحر {وظنوا أنهم أحيط بهم} أهلكوا {دعوا الله مخلصين له الدين} من غير إشراك له، لأنهم لا يدعون حينئذ معه غيره يقولون: {لئن أنجيتنا من هذه} الأهوال أو من هذه الريح {لنكونن من الشاكرين} لنعمتك مؤمنين بك متمسكين بطاعتك.
- {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض} يفسدون فيها {بغير الحق} باطلا {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} ظلمكم يرجع إليكم {متاع الحياة الدنيا} تتمتعون متاع الحياة الدنيا {ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} فنخبركم به ونجازيكم عليه.
- {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} من السحاب {فاختلط به} بالماء {نبات الأرض} فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا {مما يأكل الناس} يعني الحبوب والثمار والبقول {والأنعام} يعني الحشيش {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} زينتها بالنبات واختلاف ألوانه {وازينت} وتزينت به، جعلت الأرض ءاخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين {وظن أهلها} أهل الأرض {أنهم قادرون عليها} متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها {أتاها أمرنا} عذابنا، وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلك {ليلا أو نهارا فجعلناها} زرعا {حصيدا} شبيها بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله {كأن لم تغن} كأن لم يغن زرعها، أي لم يلبث {بالأمس} هو مثل في الوقت القريب {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه([2]).
- {والله يدعو إلى دار السلام} هي الجنة، والسلام: السلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه {ويهدي من يشاء} ويوفق من يشاء {إلى صراط مستقيم} إلى الإسلام، والمعنى: يدعو العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا الـمهديون.
- {للذين أحسنوا} ءامنوا بالله ورسله {الحسنى} المثوبة الحسنى، وهي الجنة {وزيادة} رؤية الرب عز وجل. وعن صهيب أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة تنجنا من النار – قال – فيرفع الحجاب([3]) فينظرون إلى الله تعالى، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم»، ثم تلا رسول الله ﷺ: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} {ولا يرهق وجوههم} ولا يغشاها {قتر} غبرة فيها سواد {ولا ذلة} ولا أثر هوان، والمعنى: ولا يرهقهم ما يرهق أهل النار {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}.
- {والذين كسبوا السيئات} وللذين كسبوا فنون الشرك {جزاء سيئة بمثلها} أي [لهم] جزاء سيئة مقدر بمثلها {وترهقهم ذلة} ذل وهوان {ما لهم من الله} من عقابه {من عاصم} أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه {كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما} جعل عليها غطاء من سواد الليل، أي هم سود الوجوه {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
- {ويوم نحشرهم جميعا} أي الكفار وغيرهم {ثم نقول للذين أشركوا مكانكم} الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم {أنتم وشركاؤكم فزيلنا} ففرقنا {بينهم} وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا {وقال شركاؤهم} من عبدوه من دون الله من أولي العقل، أو الأصنام ينطقها الله عز وجل {ما كنتم إيانا تعبدون} إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم.
- {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم} كفى الله شهيدا [فإنه العالم بكنه الحال] {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} [لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، لأنا كنا جمادا لا روح فينا].
{هنالك} في ذلك المكان، أو في ذلك الوقت {تبلو كل نفس} تختبر وتذوق {ما أسلفت} من العمل، فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن، أنافع أم ضار، أمقبول أم مردود؟ {وردوا إلى الله مولاهم الحق} ربهم الصادق في ربوبيته، لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة {وضل عنهم ما كانوا يفترون} وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله.
([1]) كقوله تعالى: {وهو شديد المحال} [الرعد: 13]: أي شديد الكيد لأعدائه يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.
([2]) الرفيف يقال للنبات الذي يهتز خضرة وتلألؤا.
([3]) الحجاب ليس حجابا حسيا، الله تعالى موجود بلا مكان فلا يكون بينه وبين خلقه محاذاة وحجاب حسي، تنزه الله سبحانه وتعالى عن ذلك، إنما هو المنع من رؤيته.
