تفسير سورة يونس من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة يونس من الآية أحد عشر إلى عشرين
ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون (17) ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (18) وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (19) ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) - {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} المراد أهل مكة، وقولهم: {فأمطر علينا حجارة من السماء} [الأنفال: 32]، أي لو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به ما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه {لقضي إليهم أجلهم} لأميتوا وأهلكوا {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم} شركهم وضلالهم {يعمهون} يترددون، فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم إلزاما للحجة عليهم.
- {وإذا مس الإنسان} أصابه، والمراد به الكافر {الضر دعانا} دعا الله لإزالته {لجنبه أو قاعدا أو قائما} معناه أن المضرور لا يفتر عن الدعاء في حالاته كلها حتى يزول عنه الضر {فلما كشفنا عنه ضره} أزلنا ما به {مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد {كذلك} مثل ذلك التزيين {زين للمسرفين} زين الشيطان بوسوسته للمجاوزين الحد في الكفر {ما كانوا يعملون} من الإعراض عن الذكر واتباع الكفر.
- {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم} يا أهل مكة {لما ظلموا} أشركوا {وجاءتهم رسلهم} أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم {بالبينات} بالمعجزات {وما كانوا ليؤمنوا} إن بقوا ولم يهلكوا، لأن الله علم منهم أنهم يصرون على كفرهم {كذلك} مثل ذلك الجزاء، يعني الإهلاك {نجزي القوم المجرمين} وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله ﷺ.
- {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} الخطاب للذين بعث إليهم محمد رسول الله، أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناها {لننظر كيف تعملون} لننظر أتعملون خيرا أو شرا فنعاملكم على حسب عملكم [ومن لم يعتبر بمن سبقه اعتبر به من لحقه، ومن لم يعتبر بما سمعه اعتبر به من تبعه، والله تعالى لم يزل عالـما بما كان ويكون منهم من الطاعة والمعصية].
- {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} لـما غاظهم ما في القرءان من ذم عبادة الأوثان والوعيد لأهل الطغيان {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا} ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك {أو بدله} بأن تجعل مكان ءاية عذاب ءاية رحمة، وتسقط ذكر [الأوثان] وذم عبادتها، فأمر بأن يجيب عن التبديل، لأنه داخل تحت قدرة الإنسان، وهو أن يضع مكان ءاية عذاب ءاية رحمة وأن يسقط ذكر [الأوثان] بقوله: {قل ما يكون لي} ما يحل لي {أن أبدله من تلقاء نفسي} من قبل نفسي {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} لا أتبع إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل {إني أخاف إن عصيت ربي} بالتبديل من عند نفسي {عذاب يوم عظيم} أي يوم القيامة، وأما الإتيان بقرءان ءاخر فلا يقدر عليه الإنسان، وقد ظهر لهم العجز عنه، إلا أنهم كانوا لا يعترفون بالعجز ويقولون: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 31].
- {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} يعني أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإظهاره أمرا عجيبا خارجا عن العادات، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم [القراءة والكتابة] ولم يشاهد العلماء [ويتتلمذ عليهم] فيقرأ عليكم كتابا فصيحا يغلب كل كلام فصيح ويعلو على كل منثور ومنظوم، مشحونا بعلوم الأصول والفروع والإخبار عن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله {ولا أدراكم به} ولا أعلمكم الله بالقرءان على لساني {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله} من قبل نزول القرءان، أي فقد أقمت فيما بينكم أربعين سنة ولم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحوه، ولا قدرت عليه، ولا كنت موصوفا بعلم وبيان فتتهموني باختراعه {أفلا تعقلون} فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله لا من مثلي.
- {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} يحتمل أن يريد افتراء المشركين على الله في أنه ذو شريك وذو ولد {أو كذب بآياته} بالقرءان، فيه بيان أن الكاذب على الله والـمكذب بآياته في الكفر سواء {إنه لا يفلح المجرمون}.
- {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم} إن تركوا عبادتها {ولا ينفعهم} إن عبدوها {ويقولون هؤلاء} الأصنام {شفعاؤنا عند الله} في أمر الدنيا ومعيشتها، لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث {قل أتنبئون الله بما لا يعلم} أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده، [أي أتخبرون الله تعالى بما لا يعلمه موجودا؛ أي بما يعلمه غير موجود؛ لأنه لو كان موجودا لكان معلوما له وجوده؛ لأنه عالم بكل شيء، فكيف يصح وجود ما لا يعلمه؟!] وقوله: {في السماوات ولا في الأرض} تأكيد لنفيه، لأن ما لم يوجد فيهما([1]) [من الشركاء الذين يشركونهم به] فهو معدوم {سبحانه وتعالى عما يشركون} نزه ذاته عن أن يكون له شريك.
- {وما كان الناس إلا أمة واحدة} حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد ءادم عليه السلام إلى أن قتل قابيل هابيل {فاختلفوا} فصاروا مللا {ولولا كلمة سبقت من ربك} هو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} عاجلا {فيما فيه يختلفون} فيما اختلفوا فيه ولميز الـمحق من الـمطل، وسبق كلمته لحكمة وهي أن هذه الدار دار تكليف وتلك الدار دار ثواب وعقاب.
{ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه} ءاية من الآيات التي اقترحوها {فقل إنما الغيب لله} هو المختص بعلم الغيب، فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة لا غير {فانتظروا} نزول ما اقترحتموه {إني معكم من المنتظرين} لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات.
