تفسير سورة نوح من الآية واحد وعشرين إلى الآية ثمانية وعشرين
- تفسير سورة نوح من الآية واحد وعشرين إلى الآية ثمانية وعشرين
قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28) - 22- {قال نوح رب إنهم عصوني} فيما أمرتهم به من الإيمان والاستغفار {واتبعوا} أي: السفلة والفقراء {من لم يزده ماله وولده} أي: الرؤساء وأصحاب الأموال والأولاد {إلا خسارا} في الآخرة {ومكروا} الماكرون هم الرؤساء، ومكرهم احتيالهم في الدنيا وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه وصدهم عن الـميل إليه {مكرا كبارا} عظيما، وهو أكبر من الكبار، وهو أكبر من الكبير([1]).
- {وقالوا} أي: الرؤساء لسفلتهم {لا تذرن ءالهتكم} على العموم أي عبادتها {ولا تذرن ودا} صنم على صورة رجل {ولا سواعا} هو على صورة امرأة {ولا يغوث} هو على صورة أسد {ويعوق} هو على صورة فرس {ونسرا} هو على صورة نسر، أي: هذه الأصنام الخمسة على الخصوص، وكأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فخصوها بعد العموم وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب([2])، وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم بين ءادم ونوح، فلما ماتوا صوروهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى العبادة([3])، فلما طال الزمان قال لهم إبليس: إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم.
- 25- {وقد أضلوا} أي: الأصنام([4]) {كثيرا} من الناس، أو الرؤساء [بأن أمروهم بعبادتها] {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} هلاكا {مما خطيئاتهم} ذنوبهم [أي من اجل خطيئاتهم] {أغرقوا} بالطوفان {فأدخلوا نارا} عظيمة، والفاء في {فأدخلوا} للإيذان بأنهم عذبوا بالإحراق عقيب الإغراق فيكون دليلا على إثبات عذاب القبر {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله.
- 27- {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} أحدا يدور في الأرض، وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام {إنك إن تذرهم} ولا تهلكهم {يضلوا عبادك} يدعوهم إلى الضلال {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} إلا من إذا بلغ فجر وكفر، وإنما قال ذلك لأن الله تعالى أخبره بقوله: {لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن} [هود: 36].
- {رب اغفر لي ولوالدي} وكانا مسلمين، واسم أبيه لمك([5])، واسم أمه شمخاء([6])، وقيل: هما ءادم وحواء {ولمن دخل بيتي} منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي {مؤمنا} لأنه علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر {وللمؤمنين والمؤمنات} إلى يوم القيامة {ولا تزد الظالمين} أي: الكافرين {إلا تبارا} هلاكا، فأهلكوا. واختلف في صبيانهم حين أغرقوا، فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا، وقيل: علم الله براءتهم فأهلكوا بغير عذاب([7]).
([1]) يعني أبلغ، أولا: الكبير، وأبلغ منه الكبار، وأبلغ منه الكبار.
([2]) قيل: إنها انتقلت بأعيانها إلى العرب، وقيل الأسماء فقط.
([3]) أي: عبادة الله، أي: لتذكر أعمالهم الصالحة.
([4]) أي: على طريق التسبب، لأن الناس ضلوا بسببهم فكأنهم أضلوهم، كما يقال لمن فتنوا بالدنيا: فتنتهم الدنيا، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها.
