تفسير سورة الجن من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الجن
مكية وهي ثماني وعشرون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الجن من الآية واحد إلى الآية عشرة
قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10)
- {قل} يا محمد لأمتك: {أوحي إلي أنه} أن الأمر والشأن {استمع نفر} جماعة من الثلاثة إلى العشرة {من الجن} جن نصيبين([1]) {فقالوا} لقومهم حين رجعوا إليهم من استماع قراءة النبي ﷺ في صلاة الفجر: {إنا سمعنا قرآنا عجبا} عجيبا بديعا مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه.
- {يهدي إلى الرشد} يدعو إلى الصواب، أو إلى التوحيد والإيمان {فآمنا به} بالقرءان {ولن نشرك بربنا أحدا} من خلقه.
- {وأنه تعالى جد ربنا} عظمته([2])، يقال: جد فلان في عيني أي عظم، ومنه قول عمر أو أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وءال عمران جد فينا، أي عظم في عيوننا {ما اتخذ صاحبة} زوجة {ولا ولدا} كما يقول كفار الجن والإنس.
- {وأنه كان يقول سفيهنا} جاهلنا، أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه {على الله شططا} كفرا، لبعده عن الصواب، والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره.
- {وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} قولا كذبا أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد إليه، فكنا نصدقهم حتى تبين لنا بالقرءان كذبهم.
كان الرجل من العرب إذا نزل بمخوف من الأرض([3]) قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد كبير الجن، فقال:
- {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم} زاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم {رهقا} طغيانا وسفها وكبرا بأن قالوا: سدنا الجن والإنس.
- {وأنهم} وأن الجن {ظنوا كما ظننتم} يا أهل مكة {أن لن يبعث الله أحدا} بعد الموت، أي: أن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم، ثم بسماع القرءان اهتدوا وأقروا بالبعث، فهلا أقررتم كما أقروا؟
- {وأنا لمسنا السماء} طلبا بلوغ السماء([4]) واستماع كلام أهلها، واللمس: الـمس، فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف {فوجدناها ملئت حرسا شديدا} جمعا أقوياء من الملائكة يحرسون {وشهبا} جمع شهاب، أي: كواكب مضيئة [كشهب النار ترجم بها الشياطين].
- {وأنا كنا نقعد منها} من السماء قبل هذا {مقاعد للسمع} لاستماع أخبار السماء، يعني: كنا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشهب قبل الـمبعث {فمن يستمع} يرد الاستماع {الآن} بعد الـمبعث {يجد له} لنفسه {شهابا رصدا} يجد شهابا راصدا([5]) له ولأجله، والجمهور على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد ﷺ، وقيل: كان الرجم في الجاهلية ولكن الشياطين كانت تسترق السمع في بعض الأوقات، فمنعوا من الاستراق أصلا بعد مبعث النبي ﷺ.
{وأنا لا ندري أشر} عذاب {أريد بمن في الأرض} بعدم استراق السمع {أم أراد بهم ربهم رشدا} خيرا ورحمة [وقيل: هذا قول الجن بعضهم لبعض قبل مجيئهم إلى النبي ﷺ وقد حيل بينهم وبين خبر السماء ولم يدروا سبب ذلك].
([1]) من سكان نصيبين، وهي مدينة في تركيا قرب حدود سوريا، قرب القامشلي.
([2]) الجد العظمة، أي: تنزه وتعالت عظمته عما نسب إليه من اتخاذ الصاحبة والولد.
([3]) مخوف من الأرض: طريق يخاف فيه، لأن الطريق لا تخيف وإنما يخيف قاطعها.
