تفسير سورة ص من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة ص من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (29) ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) - {وهل أتاك نبأ الخصم} ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة [ليكون ذلك داعيا إلى الإصغاء للقصة والاعتبار بها]، والخصم الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع، {إذ تسوروا المحراب} تصعدوا سوره ونزلوا إليه، [وذلك أنه كان في يوم عبادته محتجبا عن الخصوم متفرغا للعبادة متخليا لها، فطلبوا أن يدخلوا عليه فمنعهم الحرس فتسوروا عليه المحراب ونزلوا إليه]، والمحراب الغرفة أو المسجد أو صدر المسجد.
- {إذ دخلوا على داوود ففزع منهم} لأنهم دخلوا عليه المحراب في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا عليه من فوق وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه {قالوا لا تخف خصمان} نحن خصمان، [وقيل: أي: فينا خصمان، وقد كانوا جماعة بدليل قوله تعالى: { تسوروا المحراب}، {دخلوا، {قالوا، {منهم} والجماعة مدع ومدعى عليه وشهود، فإنه لا يقول: { ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} بمجرد دعوى المدعي، فالظاهر أنه قال ذلك بعد شهادتهم للمدعي] {بغى بعضنا على بعض} تعدى وظلم {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} ولا تجر من الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق [وفي أمرهما له ونهيهما له بعض فظاظة، حمل على ذلك ما هما فيه من التخاصم والتشاجر فاستدعيا عدله من غير ارتياب بأنه يحكم بالعدل] {واهدنا إلى سواء الصراط} وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته، والمراد عين الحق ومحضه.
- {إن هذا أخي} المراد أخوة الدين، أو الشركة والخلطة {له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} [الظاهر إبقاء لفظ النعجة على حقيقتها من كونها أنثى الضأن، ولا يكنى بها عن المرأة، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، وقيل: كان الخصمان أخوين من بني إسرائيل من أم وأب، فالقصة على ظاهرها، والخصمان كانا من الإنس، وقعت لهما هذه الخصومة على الحقيقة فاستعجلا الوصول إلى نبي الله بتسور المحراب ولم ينتظرا خروجه ولا إذن الحجاب والله أعلم] {فقال أكفلنيها} ملكنيها، وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي {وعزني} وغلبني {في الخطاب} أي أنه كان أقدر على الاحتجاج مني، وأراد بالخطاب مخاطبة الـمحاج المجادل.
- {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} [مضمومة إلى نعاجه]، في ذلك استنكار لفعل خليطه {وإن كثيرا من الخلطاء} الشركاء والأصحاب {ليبغي بعضهم على بعض} [أي: يطلب الفضل لنفسه ويظلم] {إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات} [فإنهم لا يبغون] {وقليل ما هم} [أي: وهم قليل] {وظن داوود} علم وأيقن {أنما فتناه} ابتليناه {فاستغفر ربه} لزلته([1])، [قيل: إن ذنبه كان في المبادرة إلى تصديق المدعي بعدما شهد له شهوده وتظليم الآخر قبل سؤاله عن روايته لقصتهما إذ لم يحك القرءان عنه إلا سماعه من أحدهما ولم يحك استفساره من الآخر عما ادعي عليه والله أعلم] {وخر راكعا} سقط على وجهه ساجدا لله {وأناب} ورجع إلى الله بالتوبة.
- {فغفرنا له ذلك} أي زلته {وإن له عندنا لزلفى} لقربة {وحسن مآب} مرجع، وهو الجنة.
- {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض} استخلفناك على الـملك في الأرض {فاحكم بين الناس بالحق} بحكم الله {ولا تتبع الهوى} هوى النفس في قضائك {فيضلك} الهوى {عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله} دينه {لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} بنسيانهم يوم الحساب، [أي بتركهم سلوك سبيل الله المنجي يوم الحساب].
- {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما} من الخلق {باطلا} خلقا باطلا لا لحكمة بالغة، أو عبثا، أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب، ولكن للحق المبين، وهو أنا خلقنا نفوسا أودعناها العقل، ومنحناها التمكين، وأزحنا عللها، ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف، وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم {ذلك} إشارة إلى خلقها باطلا {ظن الذين كفروا} الظن بمعنى المظنون، أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض وما بينهم لقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] لأنه لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤديا إلى أن خلقها عبث وباطل، جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه {فويل للذين كفروا من النار} [بسبب هذا الظن].
- {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [الاستفهام هنا بمعنى النفي والإنكار] والمراد أنه لو بطل الجزاء كما يقول الكفار لاستوت أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر، ومن سوى بينهم كان سفيها، ولم يكن حكيما.
- {كتاب} أي هذا كتاب {أنزلناه إليك} يعني القرءان {مبارك ليدبروا ءاياته} ليتفكروا فيها، فيقفوا على ما فيه ويعملوا به {وليتذكر أولوا الألباب} وليتعظ بالقرءان أولو العقول.
{ووهبنا لداوود سليمان} [أي: رزقناه ولدا اسمه سليمان] {نعم العبد} أي سليمان {إنه أواب} كثير الرجوع إلى الله تعالى.
([1]) القصة المنسوبة كذبا وزورا لنبي الله داود عليه السلام أنه أعجب بزوجة قائد جيشه أوريا فأرسله للمعركة ليقتل، فيتزوج امرأته، ليس لها صحة، ولا تناسب منصب الأنبياء، بل لا تليق بالمتسمين بالصلاح من أفراد المسلمين فضلا عن بعض أعلام الأنبياء، فالأنبياء جميعهم تجب لهم العصمة من الكفر والكبائر وصغائر الخسة ومن جميع الرذائل قبل النبوة وبعدها. وأما استغفار داود عليه السلام فإنه كان من أنه قال لأحد الخصمين: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، قبل أن يسمع من الآخر، فإنه قد يكون له أيضا حجة وبينة على صاحبه، هذا ما ذكره بعض المفسرين، وقال بعضهم: نقتصر على تلاوة ما ورد في القرءان الكريم في القصة ونرد علم ما كان إلى الله عز وجل.
