تفسير سورة ص من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة ص من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) - {إذ عرض عليه} على سليمان {بالعشي} بعد الظهر {الصافنات} الخيول القائمة على ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى على طرف حافر [وهو من الصفات المحمودة في الخيل ولا يكاد يكون في الهجان([1]) وإنما هو في العراب([2])] {الجياد} السراع جمع جواد، لأنه يجود بالركض، وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية.
وروي أن سليمان عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين([3]) فأصاب ألف فرس، وقيل: ورثها من أبيه([4])، وأصابها أبوه من العمالقة([5])، فقعد يوما بعدما صلى الظهر على كرسيه واستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس، [وسها] عن العصر، وكانت فرضا عليه، فاغتم لما فاته، فاستردها، وعقرها [وأطعم الناس لحمها] تقربا لله [بأحب الأموال إليه]، وبقي مائة، فما في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها، وقيل: لما عقرها أبدله الله خيرا منها، وهي الريح تجري بأمره.
- {فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} ءاثرت حب الخيل عن ذكر ربي [أي شغلت بها حتى سهوت عن صلاة العصر حتى فات وقتها] {حتى توارت} الشمس {بالحجاب} بحجاب الليل يعني الظلام.
- {ردوها علي} أي ردوا الصافنات {فطفق مسحا بالسوق والأعناق} فجعل يمسح السيف بسوقها – وهي جمع ساق – وأعناقها، يعني يقطعها لأنها منعته عن الصلاة، وكانت الخيل مأكولة في شريعته فلم يكن إتلافا [بل تقربا إلى الله تعالى بالتصدق بأحب الأموال إليه والتصدق بلحومها]، وقيل: مسحها بيه استحسانا لها وإعجابا بها، [وقد نقل الطبري هذا القول عن ابن عباس، وأبو حيان عنه وعن الزهري، ورجح الطبري هذا التفسير وقال: إنه الأشبه بتأويل الآية].
- {ولقد فتنا سليمان} ابتليناه {وألقينا على كرسيه} سرير ملكه {جسدا ثم أناب} رجع إلى الله، عن النبي ﷺ: «قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة منهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانأ أجمعون»([6]) وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان([7]) وعبادة الوثن([8]) في بيت سليمان عليه السلام فمن أباطيل اليهود.
- {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا} قدم الاستغفار على استيهاب الـملك جريا على عادة الأنبياء عليهم السلام والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال {لا ينبغي} لا يتسهل ولا يكون {لأحد من بعدي} [لم يسأل ذلك نفاسة على غيره، وطلبا للاستئثار بمثله، لكن أراد أن يكون ملكه على هذا الوجه ءاية لنبوته يبين بها عن غيره من ملوك الأرض في عصره] وليكون ذلك معجزة له لا حسدا، وكان قبل ذلك لم تسخر له الريح والشياطين، فلما دعا بذلك سخرت له، [ويحتمل أنه سأل ذلك ليبقى له الذكر والثناء الحسن في الخلق كقول إبراهيم عليه السلام: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء: 84]، {إنك أنت الوهاب} [المعطي ما تشاء لمن تشاء].
- {فسخرنا له الريح} [ذللناها له] {تجري بأمره} بأمر سليمان {رخاء} لينة طيبة [طيعة لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد] {حيث أصاب} قصد وأراد.
- {والشياطين} وسخرنا له الشياطين {كل بناء} كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية {وغواص} ويغوصون له في البحر لإخراج اللؤلؤ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، أي وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين.
- {وءاخرين مقرنين في الأصفاد} وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد.
- {هذا} الذي أعطيناك من الـملك والمال والبسطة {عطاؤنا فامنن} فأعط منه ما شئت، من الـمنة: وهي العطاء {أو أمسك} عن الإعطاء، وكان إذا أعطى أجر وإذا منع لم يأثم {بغير حساب} أي هذا عطاؤنا جما كثيرا لا يكاد يقدر على حصره.
{وإن له عندنا لزلفى} [قربة في المنزلة يوم القيامة] {وحسن مآب} [أي: مرجع، وهو الجنة].
([1]) الهجان: جمع هجين، والهجين من الخيل: الذي ولدته فرس برذونة من حصان عربي.
([3]) نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام، فتحت عام 17هـ.
([4]) على أنها لمصالح المسلمين، فالإرث هنا بمعنى حيازة التصرف في المصالح.
([5]) هم الجبابرة الذين كانوا بالشام من نسل عمليق.
([6]) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([7]) يروى ولا يصح أن شيطانا اسمه صخر بن عمير قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أعطني خاتمك حتى أخبرك، فأعطاه خاتمه فرماه في البحر، فانتقل ملك سليمان عنه لزوال خاتمه، وقيل: تختم به صخر فصار الملك له، وقيل: كان لسليمان امرأة يقال لها جرادة فدخل سليمان الخلاء مرة فنزع خاتمه واستأمنها إياه فجاء شيطان على صورة سليمان فأخذ منها الخاتم وقعد على كرسي سليمان يقضي بين الناس وهم يعتقدونه نبي الله وكل هذا من الأباطيل الفاسدة التي لا تليق بالأنبياء ولا تقبلها العقول السليمة وتردها العقائد المستقيمة.
([8]) وهذا من القصص الباطلة التي زل فيها بعض الناس وفيها أن سليمان غزا ملكا من الملوك فقهره وسبى ابنة له وشغف بها اسمها جرادة فقالت لسليمان إن رأيت أن تأذن لي حتى اتخذ صورة على صورة أبي، فلست أتمالك شوقا إليه، فأذن لها، فاتخذت صنما، فعبدته في دار سليمان أربعين يوما فابتلى الله سليمان بسبب ذلك بنقل ملكه عنه، وهذا من أشد الإسرائيليات المفتراة على الأنبياء عليهم السلام فسادا.
