تفسير سورة ص من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة ص من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (44) واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) - {واذكر} [أيها الرسول] {عبدنا أيوب إذ نادى ربه} دعاه {أني مسني} حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، [أي بأني مسني] {الشيطان بنصب} هو التعب والمشقة {وعذاب} ألم، يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب([1])، قيل: أراد ما كان يوسوس به إليه من تعظيم ما نزل به من البلاء، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعة ورده بالصبر الجميل، وذكر في سبب بلائه أنه لرفع الدرجات بلا زلة سبقت منه.
- {اركض برجلك} حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام، أي أرسلنا إليه جبريل عليه السلام فقال له: اركض برجلك، أي اضرب برجلك الأرض، وهي أرض الجابية([2])، فضربها، فنبعت عين فقيل: {هذا مغتسل بارد وشراب} أي هذا ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك([3]).
- {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم} أحياهم الله تعالى بأعيانهم وزاده مثلهم([4]) {رحمة منا وذكرى لأولي الألباب} الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولي الألباب، لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره رغبهم في الصبر على البلاء.
- {وخذ بيدك ضغثا} حزمة صغيرة من حشيش، أو ريحان، أو غير ذلك {فاضرب به ولا تحنث} وكان حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إذا برأ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه، وهذه الرخصة باقية، ويجب أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة، [وقيل: إن] السبب في يمينه أنها باعت ذؤابتيها([5]) برغيفين [وقيل: لسنا ندري ما الذي حمله على الحلف بضربها ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك السبب غير أنا نعلم أن الأنبياء عليهم السلام لا يفعلون ذلك لغير ما سبب] {إنا وجدناه} علمناه {صابرا} على البلاء، نعم قد شكا إلى الله ما به واسترحمه، لكن الشكوى إلى الله لا تسمى جزعا، على أنه عليه السلام كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم أنه لو كان نبيا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به، وإرادة القوة على الطاعة {نعم العبد} أيوب {إنه أواب} [كثير الرجوع إلى الله تعالى ومرضاته].
- {واذكر} [يا محمد] {عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب} لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت فقيل في كل عمل: هذا مما عملت أيديهم وإن كان عملا لا تتأتى فيه المباشرة بالأيدي، وعلى هذا ورد قوله: {أولي الأيدي والأبصار} أولي الأعمال الظاهرة والفكر الباطنة، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم، والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من [العاملين في طاعة] الله ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما.
- {إنا أخلصناهم} جعلناهم لنا خالصين {بخالصة} بخصلة خالصة لا شوب([6]) فيها {ذكرى الدار} المعنى إنا أخلصناهم بذكر الدار، والدار هنا: الدار الآخرة، يعني جعلناهم لنا خالصين بأن جعلناهم يذكرون الناس الدار الآخرة ويزهدونهم في الدنيا كما هو ديدن([7]) الأنبياء عليهم السلام.
- {وإنهم عندنا لمن المصطفين} المختارين من بين أبناء جنسهم {الأخيار} [الأفاضل]، جمع خير.
- {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل} وكلهم {من الأخيار} [أي: الأفاضل].
- {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب} هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدا، وإن لهم مع ذلك لحسن مرجع.
ثم بين كيفية حسن ذلك المرجع فقال:
{جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} [يأتونها وقد فتحت لهم أبوابها].
([1]) الوصب: دوام الوجع ولزومه.
([2]) الجابية: قرية بالشام من أعمال دمشق.
([3]) أي من أمراضك البدنية الباطنة والظاهرة، ولم يكن منها ما هو منفر للناس عنه كما يروى في بعض القصص المفتراة، وأما قلبه عليه السلام فنقي طاهر من كل الأمراض كسائر الأنبياء عليهم السلام.
([4]) روي أن أيوب عليه السلام كان له سبعة بنين وسبع بنات وثلاثة ءالاف بعير وسبعة ءالاف شاة فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله وبمرض في بدنه ثماني عشرة سنة، ولم يذكر في القرءان ولا في الحديث نوع مرضه.
([5]) الذؤابة: الضفيرة من الشعر.
