تفسير سورة ص من الآية واحد إلى عشرة
سورة ص
مكية وهي ثمان وثمانون ءاية
وتسع بصري وست مدني
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة ص من الآية واحد إلى عشرة
ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10)
- {ص} ذكر هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه كأنه قال: {والقرآن ذي الذكر} أي ذي الشرف إنه لكلام معجز.
- {بل الذين كفروا في عزة} تكبر عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق {وشقاق} خلاف لله ولرسوله ﷺ، والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما وتفاقمهما.
- {كم أهلكنا} وعيد لذوي العزة والشقاق {من قبلهم} من قبل قومك {من قرن} من أمة {فنادوا} فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب {ولات حين مناص} منجى، أي وليس الحين حين مناص، [أي استغاثوا والحال أن لا مهرب ولا منجى، وما اعتبر بهم([1]) كفار مكة].
- 5- {وعجبوا أن جاءهم} من أن جاءهم {منذر منهم} رسول من أنفسهم، يعني استبعدوا أن يكون النبي من البشر {وقال الكافرون هذا ساحر كذاب(4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب(5)} ولم يقل: (وقالوا) إظهارا للغضب عليهم، ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر، الـمنهمكون في الغي([2])، إذ [يتعجبون] من التوحيد؛ وهو الحق الأبلج، ولا يتعجبون من الشرك؛ وهو باطل لجلج([3]). روي أن عمر رضي الله عنه لما أسلم فرح به المؤمنون وشق على قريش فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم([4]) ومشوا إلى أبي طالب وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء – يريدون الذين دخلوا في الإسلام – وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء([5])، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه السلام: «ماذا يسألونني؟» فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر ءالهتنا وندعك وإلٰهك، فقال عليه الصلاة والسلام: «أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين([6]) لكم بها العجم؟»، قالوا: نعم وعشرا – أي نعطيكها وعشر كلمات معها – فقال: «قولوا لا إلٰه إلا الله» فقاموا وقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [أي عجيب، أو نهاية العجب].
- {وانطلق الملأ منهم أن امشوا} وانطلق أشراف قريش بعدما بكتم رسول الله ﷺ بالجواب العتيد([7]) قائلين بعضهم لبعض أن امشوا {واصبروا على} عبادة {ءالهتكم إن هذا} الأمر {لشيء يراد} يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه، فلا مرد له ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر([8]) يراد بنا فلا انفكاك لنا منه.
- {ما سمعنا بهذا} بالتوحيد {في الملة الآخرة} في ملة عيسى التي هي ءاخر الـملل، لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو في ملة قريش التي أدركنا عليها ءاباءنا {إن هذا} ما هذا {إلا اختلاق} كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه.
- {أأنزل عليه الذكر} القرءان {من بيننا} أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم حسدا {بل هم في شك من ذكري} من القرءان {بل لما يذوقوا عذاب} بل لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد حينئذ.
- {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب} يعني ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا، أو يصرفوا عمن شاءوا، ويتخيروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد، وإنما الذي يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه الوهاب الكثير الـمواهب المصيب بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته.
{أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما} حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة؟! ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة {فليرتقوا في الأسباب} فليصعدوا في الـمعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي إلى من يختارون.
([1]) أي: بالقرون الماضية الهالكة.
([2]) الغي: الضلال والخيبة والفساد.
([3]) التلجلج: التردد في الكلام، والباطل لجلج: أي يتردد من غير أن ينفذ.
([4]) صناديدهم: ساداتهم وأشرافهم.
