تفسير سورة الواقعة من الآية واحد وسبعين إلى الآية ثمانين
- تفسير سورة الواقعة من الآية واحد وسبعين إلى الآية ثمانين
أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74) فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العالمين (80) - 74- {أفرأيتم النار التي تورون} تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر ويسمون الأعلى الزند والأسفل الزندة، [وهذه محاجة أخرى عليهم في تقريرهم بنعمة ربهم وتنبيههم على قدرته] {أأنتم أنشأتم شجرتها} التي منها الزناد {أم نحن المنشؤون} الخالقون لها ابتداء {نحن جعلناها} أي: النار {تذكرة} تذكيرا لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش، وعممنا بالحاجة إليها البلوى([1])، لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به([2]) {ومتاعا} ومنفعة {للمقوين} للمسافرين النازلين في القواء([3]) وهي القفر، [وقدم التذكرة على المتاع لأنها أهم، وكثير من الناس غفلوا عنها، وخص المسافرين بالذكر مع أن المقيمين متنعمون بها أيضا لأن حاجة المسافر إليها أمس فدخل المقيم بطريق أولى] {فسبح باسم ربك} فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمتع المستدل {العظيم} [الذي أفعاله تدل على عظمته وكبريائه وانفراده بالخلق والإنشاء].
80- {فلا أقسم} أي: فأقسم، ولا مزيدة مؤكدة مثلها في قوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب} [الحديد: 29] {بمواقع النجوم} بمساقطها ومغاربها {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} [لأن المقسم به عظيم، أقسم الله تعالى بها لعظم منافعها للعباد في مصالح العالم المتعلقة بها، ولما فيها من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة والرحمة بالاهتداء بها في ظلمات البر والبحر وغير ذلك، أو {بمواقع النجوم} مساقطها إذا انتثرت لقيام الساعة تعظيما وتذكيرا بذلك اليوم، وتنبيها على قدرة الله تعالى، وقيل: النجوم: نجوم القرءان، [والنجم من القرءان: القدر النازل على النبي عليه السلام دفعة واحدة]، ومواقعها: أوقات نزولها] {إنه لقرءان كريم} حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع، أو كريم على الله [لأنه كلامه ووحيه، وكريم على رسوله لأنه من عند ربه، وكريم على المؤمنين لأن فيه شفاءهم وهداهم وبشارتهم، وكريم في نفسه لأنه كثير الخير شريف جليل نافع معجز، فمن حقه أن يكرم ويعظم ويستفاد منه ويغتنم ويعمل به ويعلم ويعلم] {في كتاب} أي: اللوح المحفوظ {مكنون} مصون عن أن يأتيه الباطل، أو من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم {لا يمسه إلا المطهرون} من جميع الأدناس، أدناس الذنوب وغيرها إن جعلت الجملة صفة لكتاب مكنون؛ وهو اللوح، وإن جعلتها صفة للقرءان فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس {تنزيل} منزل {من رب العالمين} أو وصف بالمصدر لأنه نزل نجوما من بين سائر كتب الله فكأنه في نفسه تنزيل، ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه فقيل: جاء في التنزيل كذا، ونطق به التنزيل.
([1]) أي: الحاجة إليها شديدة عامة في كثير من أمور حياتنا.
([2]) بمعنى أن كثيرا من أسباب حياتنا يدخل فيها استعمال النار، فينبغي أن تكون لنا تذكرة لاتقاء ما يؤدي إلى نار جهنم، فمن رأى نارا عظيمة يقول: اللهم أجرنا من نار جهنم، ومن دخل حماما شديد الحرارة، أو تذوق طعاما شديد الحرارة يستجير من نار جهنم، فإذا كان المكث بقربها إن كانت قوية لا يطاق، ولا يطاق أكل الطعام الحار الـمحمى بها، ولا استعمال الماء الحار الـمحمى بها فكيف يطاق المكث في عينها.
([3]) القواء: الأرض الخالية، والقفر: الخلاء من الأرض، أو مفازة لا نبات بها ولا ماء.
