تفسير سورة الواقعة من الآية واحد إلى الآية تسعة
سورة الواقعة
مكية وهي ست وتسعون ءاية كوفي،
سبع بصري، تسع مدني
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الواقعة من الآية واحد إلى الآية تسعة
إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة (9)
- {إذا وقعت الواقعة} قامت القيامة، وقيل: وصفت [القيامة] بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنه قيل: إذا وقعت الواقعة التي لا بد من وقوعها.
- {ليس لوقعتها كاذبة} نفس كاذبة [بأن تنفيها كما نفتها في الدنيا].
- {خافضة رافعة} ترفع أقواما [كانوا أذلة في الدنيا، فتجعلهم في أعلى عليين] وتضع ءاخرين [كانوا أعزة في الدنيا فتجعلهم في أسفل السافلين].
- {إذا رجت الأرض رجا} حركت تحريكا شديدا حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء، [كقوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة: 1] أي يكون وقوع الواقعة حينئذ، أو] تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال.
- {وبست الجبال بسا} وفتتت حتى تعود كالسويق [المبسوس – أي: المبلول -]، أو سيقت، من بس الغنم إذا ساقها، كقوله تعالى: {وسيرت الجبال فكانت سرابا} [النبأ: 20] [أي: قلعت عن وجه الأرض ونسفت فصارت هباء تخيل الشمس أنه ماء].
- {فكانت هباء} [هو الغبار الذي يرى إذا دخل شعاع الشمس من نحو الكوة([1])] {منبثا} متفرقا.
[ثم من ءاثار يوم القيامة في الجبال أولا النسف، أي القلع من أماكنها {وإذا الجبال نسفت} [المرسلات: 10]، ثم الدك {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} [الفجر: 21]، أي: كرر عليها الدك، والدك: الدق والكسر، أي إذا زلزلت الأرض وحركت حركة شديدة يدك بعض الجبال بعضا، ثم تصير كثيبا مهيلا {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} [المزمل: 14] {كثيبا} أي رملا مجتمعا – من كثب الشيء إذا جمعه – {مهيلا} أي رخوا لينا، كما إذا حرك من أسفله فانهال من أعلاه، ثم {هباء منبثا} ثم كالعهن المنفوش {وتكون الجبال كالعهن} أي كالصوف المصبوغ ألوانا، لأن الجبال ألوان بيض وحمر وسود وما بين ذلك {المنفوش} [القارعة: 5] المندوف لتفرق أجزائها وتطايرها في الجو – من ندف القطن: طرقه بالـمندف([2]) – ثم تمر مر السحاب {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النمل: 88] أي: تمر مر السحاب إذا ضربتها الريح.
فإذا أثر يوم القيامة (الواقعة) في الجبال الصم الشواهق هذا التأثير، وهي ليس لها خطاب بالفرائض والنواهي ولا عقاب فكيف حال الضعفاء الذين لهم الخطاب ولهم الثواب والعقاب([3])].
- {وكنتم أزواجا} أصنافا، يقال للأصناف التي بعضها من بعض، أو يذكر بعضها مع بعض: أزواج {ثلاثة} صنفان في الجنة وصنف في النار.
ثم فسر الأزواج فقال:
- {فأصحاب الميمنة} هم الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم أو أصحاب المنزلة السنية([4]) {ما أصحاب الميمنة} هو تعجيب من حالهم في السعادة وتعظيم لشأنهم، كأنه قال: ما هم وأي شيء هم؟! [أي ما أعظم شأنهم، وهؤلاء الصنف الأول].
{وأصحاب المشأمة} الذين يؤتون صحائفهم بشمائلهم، أو أصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال {ما أصحاب المشأمة} أي: أي شيء هم؟! وهو تعجيب من حالهم بالشقاء، [وهؤلاء الصنف الثاني].
([1]) الكوة: الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه، أو النافذة التي تكون في أعلى جدار البيت.
([2]) التي يقال لها ءالة تنجيد القطن.
([3]) في أثناء هذه التحولات على الأرض من النسف إلى الدك إلى أن تصير هباء متفرقا الناس الذين بعثوا منها قبل ينقلون إلى ظلمة قرب الصراط مفصولين عنه محمولين بقدرة الله تعالى في الهواء لا على شيء ثابت إلى أن تعود الأرض غير تلك في الصفات، تصير بيضاء ملساء كالفضة كالأديم المشدود ليس فيها جبال ولا وهاد ولا أشجار يستظل تحتها من حر الشمس التي تدنو يوم القيامة من رؤوس العباد، لا تبقى في مدارها الذي تدوره اليوم، أكثر البشر يتضايقون من حرها ذلك اليوم.
