تفسير سورة القصص من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة القصص من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (28) فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) - {فخرج} موسى {منها} من المدينة {خائفا يترقب} التعرض له في الطريق، أو أن يلحقه من يقتله {قال رب نجني من القوم الظالمين} قوم فرعون.
- {ولما توجه تلقاء مدين} نحوها، ومدين قرية شعيب عليه السلام ولم تكن في سلطان فرعون، بينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام، خرج ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه {قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} وسطه ومعظم نهجه، فجاءه ملك فانطلق به إلى مدين.
- {ولما ورد} وصل {ماء مدين} ماءهم الذي يستقون منه، وكان بئرا {وجد عليه} على جانب البئر {أمة} جماعة كثيرة {من الناس} من أناس مختلفين {يسقون} مواشيهم {ووجد من دونهم} من مكان أسفل من مكانهم {امرأتين تذودان} تطردان غنمهما عن الماء، لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم {قال ما خطبكما} ما شأنكما {قالتا لا نسقي} غنمنا {حتى يصدر} يرجع {الرعاء} مواشيهم، والرعاء جمع راع {وأبونا شيخ كبير} لا يقدر على رعي الغنم.
- {فسقى لهما} غنمهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف، روي أنه نحى القوم عن راس البئر وسألهم دلوا، فأعطوه دلوهم وقالوا: استق بها، وكانت لا ينزعها إلا أربعون، فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة {ثم تولى إلى الظل} ظل سمرة([1]) {فقال رب إني لما} لأي شيء {أنزلت إلي من خير} قليل أو كثير غث أو سمين {فقير} محتاج.
روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل([2]) قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي.
- {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} وهذا دليل كمال إيمانه وشرف عنصرها، لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها، ولم تعلم أيجيبها أم لا، فأتته مستحية قد استترت بكم درعها {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} فتبعها موسى عليه السلام فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق {فلما جاءه وقص عليه القصص} قصته وأحواله مع فرعون {قال} له {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} إذ لا سلطان لفرعون بأرضنا. روي أنها لما قالت: {ليجزيك} كره ذلك، وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها، ولما وضع شعيب الطعام بين يديه امتنع، فقال شعيب: ألست جائعا؟ قال: بلى ولكن أخاف أن يكون عوضا مما سقيت لهما، وإنا أهل بيت لا نأخذ على المعروف ثمنا، فقال شعيب عليه السلام: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، فأكل.
- {قالت إحداهما يا أبت استأجره} اتخذه أجيرا لرعي الغنم، روي أن كبراهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء، وصفراء هي التي ذهبت به، وطلبت إلى أبيها أن يستأجره، وهي التي تزوجها {إن خير من استأجرت القوي الأمين} فقال: وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت نزع الدلو وأمرها بالمشي خلفه.
- {قال إني أريد أن أنكحك} أزوجك {إحدى ابنتي هاتين} هذه مواعدة منه، ولم يكن ذلك عقد نكاح، إذ لو كان عقدا لقال: قد أنكحتك {على أن تأجرني} تكون أجيرا لي {ثماني حجج} الحجة: السنة {فإن أتممت عشرا} أي عمل عشر حجج {فمن عندك} فذلك تفضل منك ليس بواجب عليك، ولكنك إن فعلته فهو نك تفضل وتبرع {وما أريد أن أشق عليك} بإلزام أتم الأجلين {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} في حسن المعاملة والوفاء بالعهد.
- {قال} موسى {ذلك بيني وبينك} يعني ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا جميعا لا يخرج كلانا عنه، ثم قال: {أيما الأجلين قضيت} أي أجل قضيت من الأجلين يعني العشر والثماني {فلا عدوان علي} لا يعتدى علي في طلب الزيادة عليه {والله على ما نقول وكيل} [على ما نعقد عليه حفيظ وشهيد].
روي أن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء عليهم السلام، فقال لموسى بالليل: ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها ءادم من الجنة، ولم يزل الأنبياء عليهم السلام يتوارثونها([3]) حتى وقعت إلى شعيب، فضن بها([4])، فقال: خذ غيرها، فما وقع في يده إلا وهي سبع مرات، فعلم أن له شأنا، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك، فإن الكلأ وإن كان بها أكثر إلا أن فيها تنينا([5]) أخشاه عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها، فمشى على أثرها، فإذا عشب وريف لم ير مثله، فنام، فإذا التنين قد أقبل، فحاربته العصا حتى قتلته، وعادت إلى جنب موسى دامية([6])، فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا ارتاح لذلك، ولما رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن، فأخبره موسى، ففرح، وعلم أن لموسى والعصا شأنا، وقال له: إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ودرعاء([7])، فأوحي إليه في المنام أن اضرب بعصاك مستقى الغنم، ففعل، ثم سقى، فوضعت كلهن أدرع ودرعاء، فوفى له بشرطه.
- {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله} بامرأته نحو مصر {ءانس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر} عن الطريق لأنه قد ضل الطريق {أو جذوة من النار} [قطعة من الحطب فيها النار] {لعلكم تصطلون} [تستدفئون].
{فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} بالنسبة إلى موسى {في البقعة المباركة} بتكليم الله تعالى فيها، [والوادي هو الوادي المقدس طوى] {من الشجرة} العناب أو العوسج([8])، أي أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، أي الجانب، [عن يمين موسى] {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} أسمع الله تعالى نبيه موسى عليه السلام كلامه الذاتي الأزلي الذي ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة بغير واسطة من ملك وغيره، فقد رفع الحجاب عن سمعه فسمع كلام الله تعالى الذي لا يشبه كلام غيره وفهم منه ما أراده تعالى.
([1]) السمرة: ضرب من الطلح وهي شجرة طويلة لها شوك وأغصان طوال لها ظل يستظل بها الناس والإبل، منابتها بطون الأودية.
([2]) حفل: مملوءة ضروعها باللبن.
([3]) لا يراد به الإرث الشرعي لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» بل المعنى: يتناقلوها فيما بينهم، تنتقل من يد أحدهم إلى يد ءاخر منهم عليهم السلام.
([4]) معناه: أراد شعيب عليه السلام أن تبقى عنده.
([7]) الأدرع، من الشاء ما اسود رأسه وابيض سائره.
([8]) العوسج: شجر من شجر الشوك له ثمر أحمر مدور كأنه خرز العقيق.
