تفسير سورة القصص من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة القصص من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون (75) إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) - {قل} [يا محمد لأهل مكة]: {أرأيتم} [أخبروني] {إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة} دائما [لا نهار بعده] {من إله غير الله} [بزعمكم] {يأتيكم بضياء} [نهار تطلبون فيه معاشكم] {أفلا تسمعون} [ذلك سماع تفهم فترجعوا عن الإشراك].
- {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون} [ما أنتم عليه من الخطأ في الإشراك فترجعوا عنه].
- {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضل الله النهار {ولعلكم تشكرون} الله على نعمه.
- {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} كرر التوبيخ لاتخاذ الشركاء، ليؤذن أن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده.
- {ونزعنا} وأخرجنا {من كل أمة شهيدا} يعني نبيهم، لأن الأنبياء للأمم شهداء عليهم يشهدون بم كانوا عليه {فقلنا} للأمم: {هاتوا برهانكم} فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسل {فعلموا} حينئذ {أن الحق لله} [في الألوهية لا يشاركه فيها أحد] {وضل عنهم} وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع {ما كانوا يفترون} من ألوهية غير الله والشفاعة لهم.
- {إن قارون كان من قوم موسى} كان إسرائيليا ابن عم لموسى وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، لكنه نافق كما نافق السامري {فبغى عليهم} قيل: ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم، أو تكبر عليهم بكثرة ماله وولده {وءاتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة} لتثقل العصبة، والعصبة: الجماعة الكثيرة، وكانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلا، لكل خزانة مفتاح {أولي القوة} الشدة {إذ قال له قومه} المؤمنون {لا تفرح} لا تبطر بكثرة المال {إن الله لا يحب الفرحين}([1]) البطرين بالمال.
- {وابتغ فيما آتاك الله} من الغنى والثروة {الدار الآخرة} بأن تتصدق على الفقراء وتصل الرحم وتصرف إلى أبواب الخير {ولا تنس نصيبك من الدنيا} وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك، وقيل: معناه اطلب بدنياك ءاخرتك فإن ذلك حظ المؤمن {وأحسن} إلى عباد الله {كما أحسن الله إليك} أو أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن إليك بالإنعام {ولا تبغ الفساد في الأرض} بالظلم والبغي {إن الله لا يحب المفسدين} [بمعنى أنه يعاقبهم].
- {قال إنما أوتيته} أي المال {على علم عندي} على استحقاق لما في من العلم الذي فضلت به الناس وهو العلم بوجوه المكاسب من التجارة والزراعة {أولم يعلم} قارون {أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة} هو إثبات لعلمه بأن الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قد قرأه في التوراة {وأكثر جمعا} للمال، أو أكثر جماعة وعددا، كأنه قيل: أولم يعلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته ويقي نفسه مصارع الهالكين {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} يعترفون بها بغير سؤال، أو لا يسألون لتعلم من جهتهم، بل يسألون سؤال توبيخ.
- {فخرج على قومه في زينته} [التي يتعظم بها من اللباس والمركب والخدم ونحوهم] قيل: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة ءالاف عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية {قال الذين يريدون الحياة الدنيا} قيل: كانوا مسلمين، وإنما تمنوا على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر، وقيل: كانوا كفارا {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون} قالوه غبطة، والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه كهذه الآية، والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبة له دونه {إنه لذو حظ عظيم} [جليل يقدر معه على ما يريد من الدنيا].
{وقال الذين أوتوا العلم} بالثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء العقبى لغابطي قارون {ويلكم} أصل ويلك الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرضي {ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها} لا يلقن هذه الكلمة؛ وهي {ثواب الله خير} {إلا الصابرون} على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا، وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير، [وقيل: لا يلقى الجنة وثوابها؛ أي لا يؤتاها إلا الصابون على طاعة الله].
