تفسير سورة الفتح من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الفتح
مدنية وهي تسع وعشرون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الفتح من الآية واحد إلى الآية عشرة
إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10)
- {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الفتح: الظفر بالبلد عنوة([1]) أو صلحا، بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به فقد فتح، ثم قيل: هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله ﷺ عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي لأنها في تحققها بمنزلة الكائنة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن الـمخبر عنه ما لا يخفى.
- {ليغفر لك الله} التقدير: إنا فتحنا لك فتحا مبينا فاستغفر ليغفر لك الله، أو لنجمع لك بين عز الدارين، وأغراض العاجل والآجل {ما تقدم من ذنبك وما تأخر} يريد جميع ما فرط منك {ويتم نعمته عليك} بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك {ويهديك صراطا مستقيما} ويثبتك على الدين الـمرضي.
- {وينصرك الله نصرا عزيزا} قويا منيعا لا ذل بعده أبدا.
- 6- {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة [يوم صدهم المشركون عن دخول مكة] بسبب الصلح ليزدادوا يقينا إلى يقينهم، وقيل: السكينة: الصبر على ما أمر الله، والثقة بوعد الله، والتعظيم لأمر الله {ولله جنود السماوات والأرض} [أي: ولو أراد الله إهلاك المشركين الصادين رسول الله والمؤمنين عن البيت لم يعجزه ذلك] {وكان الله عليما حكيما} [فيما يفعله بهم وبكم] {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم} [ليكون ازدياد تصديقهم ويقينهم سببا لإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم] {وكان ذلك عند الله} [في حكم الله، وقيل: في الآخرة] {فوزا عظيما} [ظفرا بكل محبوب، وأمنا من كل مرهوب] {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} [في الدنيا بإيصال الأحزان بهم بعلو المؤمنين، وتسليط النبي عليه السلام عليهم قتلا وأسرا واسترقاقا] {الظانين بالله ظن السوء} المراد ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول ﷺ والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهرا {عليهم دائرة السوء} أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فه حائق بهم([2]) ودائر عليهم، والسوء: الهلاك والدمار، و{دائرة السوء} بالفتح أي الدائرة التي يذمونها ويستخطونها، السوء والسوء كالكره والكره، والضعف، والضعف إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما السوء فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير {وغضب الله عليهم ولعنهم} [أبعدهم من الخير] {وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} [أي]: جهنم [مرجعا].
- {ولله جنود السماوات والأرض} فيدفع كيد من عادى نبيه عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بما شاء منها {وكان الله عزيزا} غالبا فلا يرد بأسه {حكيما} فيما دبر.
- {إنا أرسلناك شاهدا} تشهد على أمتك يوم القيامة {ومبشرا} للمؤمنين بالجنة {ونذيرا} للكافرين بالنار.
- {لتؤمنوا بالله ورسوله} والخطاب لرسول الله ﷺ ولأمته {وتعزروه} وتقووه بالنصر {وتوقروه} وتعظموه {وتسبحوه} من التسبيح، والضمائر لله تعالى، والمراد بتعزير الله تعزير دينه ورسوله ﷺ {بكرة} صلاة الفجر {وأصيلا} الصلوات الأربع.
{إن الذين يبايعونك} بيعة الرضوان [بالحديبية]، ولما قال: {إنما يبايعون الله} أكده تأكيدا فقال: {يد الله فوق أيديهم} الله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، والمعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده مع الله كقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80]، أو {يد الله فوق أيديهم} بالنصرة والتوفيق] {فمن نكث} نقض العهد ولم يف بالبيعة {فإنما ينكث على نفسه} فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت وعلى ألا نفر {ومن أوفى بما عاهد عليه الله} [من الصبر عند لقاء العدو في سبيل الله، ونصرة نبيه ﷺ على أعدائه] {فسيؤتيه أجرا عظيما} الجنة.
