تفسير سورة العنكبوت من الآية واحد إلى عشرة
سورة العنكبوت
مكية وهي تسع وستون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة العنكبوت من الآية واحد إلى عشرة
الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10)
- 2- {الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم ءامنا وهو استفهام [بمعنى الإنكار، أي لا يكون ذلك]، والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم، وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قد جزعوا من أذى المشركين، أو في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله.
- {ولقد فتنا} اختبرنا {الذين من قبلهم} بأنواع الفتن، فمنهم من يوضع الـمنشار على راسه فيفرق فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من يمشط بأمشاط الحديد ما يصرفه ذلك عن دينه {فليعلمن الله} بالامتحان {الذين صدقوا} في الإيمان {وليعلمن الكاذبين} فيه، ومعنى علمه تعالى – وهو عالم بذلك فيما لم يزل – أن يعلمه موجودا عند وجوده كما علمه قبل وجوده أنه يوجد، والمعنى وليتميزن الصادق منهم من الكاذب.
- {أم حسب الذين يعملون السيئات} أي الشرك والمعاصي {أن يسبقونا} يفوتونا، يعني أن الجزاء يلحقهم لا محالة {ساء ما يحكمون} بئس حكما يحكمونه حكمهم هذا.
- {من كان يرجو لقاء الله} يأمل ثوابه أو يخاف حسابه فالرجاء يحتملهما {فإن أجل الله} المضروب للثواب والعقاب {لآت} لا محالة، فليبادر العمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله {وهو السميع} لما يقوله عباده {العليم} بما يفعلونه، فلا يفوته شيء ما.
- {ومن جاهد} نفسه بالصبر على طاعة الله، أو الشيطان بدفع وساوسه، أو الكفار {فإنما يجاهد لنفسه} لأن منفعة ذلك ترجع إليها {إن الله لغني عن العالمين} وعن طاعتهم ومجاهدتهم، وإنما أمر ونهى رحمة لعباده.
- {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} أي الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام.
- {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} وصيناه بإيتاء والديه حسنا، أو بإيلاء والديه حسنا، أي فعلا ذا حسن {وإن جاهداك} [وإن استفرغا مجهودهما لك] أيها الإنسان {لتشرك بي ما ليس لك به علم} لا علم لك بإلٰهيته، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم، كأنه قال: لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون إلٰها {فلا تطعهما} في ذلك، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق {إلي مرجعكم} مرجع من ءامن منكم ومن أشرك {فأنبئكم بما كنتم تعملون} فأجازيكم حق جزائكم، وفي ذكر الـمرجع والعيد تحذير من متابعتهما على الشرك وحث على الثبات والاستقامة في الدين، روي أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم نذرت أمه ألا تأكل ولا تشرب حتى يرتد، فشكا إلى النبي ﷺ فنزلت هذه الآية، [فأمر بالإحسان إليها وألا يطيعها في الشرك].
- {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} في جملتهم، والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى الأنبياء عليهم السلام، قال سليمان عليه السلام: {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} [النمل: 19]، وقال يوسف عليه السلام: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101].
{ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذي في الله} إذا مسه أذى من الكفار {جعل فتنة الناس كعذاب الله} جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله تعالى [أي يترك الإسلام إذا خاف إيذاء الكفار إياه كما يترك المسلم المعصية إذا خاف عذاب الله] {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} وإذا نصر الله المؤمنين وغنمهم اعترضوهم وقالوا: إنا كنا معكم أي متابعين لكم في دينكم ثابتين عليه بثباتكم فأعطونا نصيبنا من الـمغنم {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} هو أعلم بما في صدور العالمين من العالمين بما في صدورهم، ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق، وما في صدور المؤمنين من الإخلاص.
