تفسير سورة الطلاق من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الطلاق
مدنية وهي اثنتا عشرة ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الطلاق من الآية واحد إلى الآية عشرة
يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10)
- {يا أيها النبي} خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب، لأن النبي إمام أمته وقدوتهم {إذا طلقتم النساء} إذا أردتم تطليقهن وهممتهم به {فطلقوهن لعدتهن} مستقبلات لعدتهن، والمراد أن تطلق المدخول بهن من المعتدات بالحيض في طهر لم يجامعن فيه، ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن، وهذا أحسن الطلاق {وأحصوا العدة} واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن {واتقوا الله ربكم} [أطيعوه في أمره ونهيه] {لا تخرجوهن} حتى تنقضي عدتهن {من بيوتهن} من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى {ولا يخرجن} بأنفسهن إن أردن ذلك [حتى تنقضي عدتهن] {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قيل: هي الزنا، أي: إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن، وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه {وتلك حدود الله} أي: الأحكام المذكورة {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} [بأن عرضها للعقاب] {لا تدري} أيها المخاطب {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها، والمعنى: فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ولا تخرجوهن من بيوتهن لعلكم تندمون فتراجعون.
- {فإذا بلغن أجلهن} قاربن ءاخر العدة {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار، وهو أن يراجعها في ءاخر عدتها ثم يطلقها تطويلا للعدة عليها وتعذيبا لها {وأشهدوا} عند الرجعة والفرقة جميعا، وهذا الإشهاد مندوب إليه لئلا يقع بينهما التجاحد {ذوي عدل منكم} من المسلمين {وأقيموا الشهادة لله} لوجهه خالصا، وذلك أن يقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم {ذلكم} الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط {يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} إنما ينتفع به هؤلاء {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد، يجعل الله له مخرجا مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في الـمضايق، ويفرج عنه، ويعطه الخلاص.
- {ويرزقه من حيث لا يحتسب} من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه، ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: {ذلكم يوعظ به} أي: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة، وقال ﷺ: «إني لأعلم ءاية لو أخذ الناس بها لكفتهم؛ {ومن يتق الله}، فما زال يقرؤها ويعيدها». وروي أن عوف بن مالك أسر المشركون ابنا له([1])، فأتى رسول الله ﷺ فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة فقال: «ما أمسى عند ءال محمد إلا مد فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقالت: نعم ما أمرنا به، فجعلا يقولان ذلك. فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها، فنزلت هذه الآية {ومن يتوكل على الله} يكل أمره إليه عن طمع غيره وتدبير نفسه {فهو حسبه} كافيه في الدارين {إن الله بالغ أمره} منفذ أمره {قد جعل الله لكل شيء قدرا} تقديرا وتوقيتا، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل.
- {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} [أي: اللائي انقطع رجاؤهن لكبرهن من أن يرين دما من زوجاتكم المدخول بهن] {إن ارتبتم} أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن {فعدتهن ثلاثة أشهر} [مقام ثلاثة قروء في التي تحيض] {واللائي لم يحضن} هن الصغائر [اللائي لم يبلغن، أو بلغن بغير الحيض]، وتقديره: فعدتهن ثلاثة أشهر [كذلك] {وأولات الأحمال أجلهن} [أي: والمطلقات الحوامل] عدتهن {أن يضعن حملهن} النص يتناول المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن. وعن علي وابن عباس رضي الله عنهم: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة].
- {ذلك أمر الله} [أي: هذا كله من أول السورة إلى ههنا أمر أمركم الله تعالى به] {أنزله إليكم} من اللوح المحفوظ {ومن يتق الله} في العمل بما أنزله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه {يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [وهذا يعم هذا الأمر وغيره]. ثم بين التقوى في قوله: {ومن يتق الله}، كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل:
- {أسكنوهن من حيث سكنتم} أسكنوهن بعض مكان سكناكم {من وجدكم} كأنه قيل: أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه، والوجد: الوسع والطاقة {ولا تضاروهن} ولا تستعملوا معهن الضرار {لتضيقوا عليهن} في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن، أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج {وإن كن} أي: المطلقات {أولات حمل} ذوات أحمال {فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} وفائدة اشتراط الحمل أن مدة الحمل ربما تطول، فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحائل([2])، فنفى ذلك الوهم {فإن أرضعن لكم} هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولدا من غيرهن، أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية {فآتوهن أجورهن} فحكمهن في ذلك حكم الأظآر([3]) {وأتمروا بينكم} تشاوروا على التراضي في الأجرة {بمعروف} بما يليق بالسنة ويحسن في المروءة، فلا يماكس الأب ولا تعاسر الأم، لأنه ولدها، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه {وإن تعاسرتم} تضايقتم فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية، ولم يزد الأب على ذلك {فسترضع له أخرى} فستوجد، ولا تعوز([4]) مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة، أي سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه.
- {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} لينفق كل واحد من الـموسر والـمعسر ما بلغه وسعه، يريد ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والـمرضعات، ومعنى {قدر عليه رزقه} ضيق {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} أعطاها من الرزق {سيجعل الله بعد عسر يسرا} بعد ضيق في المعيشة سعة، وهذا وعد لذي العسر باليسر.
- {وكأين من قرية} [وكم] من أهل قرية {عتت} عصت {عن أمر ربها ورسله} أعرضت عنه على وجه العتو([5]) والعناد {فحاسبناها حسابا شديدا} بالاستقصاء([6]) والمناقشة {وعذبناها عذابا نكرا} منكرا عظيما.
- {فذاقت وبال أمرها} [سوء عاقبة عتوها] {وكان عاقبة أمرها خسرا} خسارا وهلاكا، والمراد حساب الآخرة وعذابها، وما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر.
{أعد الله لهم عذابا شديدا} تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبا {فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين ءامنوا} فليكن لكم ذلك يا أولي الألباب من المؤمنين لطفا في تقوى الله وحذر عقابه {قد أنزل الله إليكم ذكرا} أي: القرءان.
