تفسير سورة الصافات من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
- تفسير سورة الصافات من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
فبشرناه بغلام حليم (101) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين (110) - {فبشرناه بغلام حليم} انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102] ثم استسلم لذلك.
- {فلما بلغ معه السعي} بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث شعرة سنة {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} قيل له في المنام: اذبح ابنك، [أي بأمر من الله تعالى، ويدل عليه قوله: {افعل ما تؤمر}]، ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة {فانظر ماذا ترى} من الرأي، على وجه المشاورة، ولم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم [صبره لامر الله، أو لتقر عينه إذا رأى من ابنه طاعة في أمر الله] {قال يا أبت افعل ما تؤمر} أي ما تؤمر به {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} على الذبح.
- {فلما أسلما} انقادا لأمر الله وخضعا {وتله للجبين} صرعه على جبينه، [أي: جانب الجبهة، ولها جبينان يكتنفانها – وكان هذا إضجاعا على الجنب كإضجاع الشاة للذبح ـ] ووضع السكين على حلقه فلم يعمل، ثم وضع السكين على قفاه([1]) فانقلب السكين، روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى.
- 105- {وناديناه أن يا إبراهيم (104) {قد صدقت الرؤيا(105)} حققت ما أمرناك به في المنام من تسليم الولد للذبح {إنا كذلك نجزي المحسنين(105)} تعليل لتخويل([2]) ما خولهما من الفرج بعد الشدة، [فقد] كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله.
- {إن هذا لهو البلاء المبين} الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم.
- {وفديناه بذبح} هو ما يذبح وعن ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به إسماعيل {عظيم} ضخم الجثة سمين، وهي السنة في الأضاحي.
والأظهر أن الذبيح إسماعيل [وليس إسحاق]، وهو قول أبي بكر وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين رضي الله عنهم، [واحتج من قال بذلك بقول الله تعالى: {فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب} [هود: 71]، فلما بشرت سارة بأن لها من ولدها إسحاق نافلة([3]) هو يعقوب، وعلم بذلك إبراهيم، كان يتيقن أن إسحاق لا يذبح، فلا يتحقق الابتلاء بأمره بذبحه، ولأنه تعالى قال في هذه السورة بعد تمام قصة الغلام: {فبشرناها بإسحق}، فكان التبشير بإسحاق بعد مضي قصة الغلام وفدائه بالكبش العظيم] ولأن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت في زمن الحجاج وابن الزبير.
- {وتركنا عليه} [أي إبراهيم ثناء حسنا] {وتركنا عليه في الآخرين} [في الأنبياء بعده، وقيل: في الأمم بعده].
- {سلام على إبراهيم} [أي أبقينا عليه هذا السلام في الآخرين، أي يسلمون عليه تسليما].
{كذلك نجزي المحسنين} [فنبقي لهم الثناء الجميل].
