- تفسير سورة الشعراء من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشيء مبين (30) - {ففررت منكم} إلى مدين {لما خفتكم} أن تقتلوني، وذلك حين قال له مؤمن من ءال فرعون: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج} الآية [القصص: 20] {فوهب لي ربي حكما} نبوة وعلما {وجعلني من المرسلين} من جملة رسله.
- {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} كر على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله وأبى أن تسمى نعمته إلا نقمة، حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل لأن تعبيدهم – [وهو] تذليلهم واتخاذهم عبيدا – وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، ولو تركهم لرباه أبواه.
- {قال فرعون وما رب العالمين} أي إنك تدعي أنك رسول رب العالمين، فما صفته؟
- {قال} موسى مجيبا له على وفق سؤاله: {رب السماوات والأرض وما بينهما} أي وما بين الجنسين {إن كنتم موقنين} إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل، فكفى خلق هذه الأشياء دليلا.
- {قال} فرعون {لمن حوله} من أشراف قومه: {ألا تستمعون} معجبا قومه من جوابه، لأنهم يزعمون قدمهما، وينكرون أن لهما ربا، فاحتاج موسى عليه السلام إلى أن يستدل بما شاهدوا حدوثه وفناءه، فاستدل حيث:
- {قال ربكم ورب ءابائكم الأولين} هو خالقكم وخالق ءابائكم، فإن لم تستدلوا بغيركم فبأنفسكم، وإنما قال: رب ءابائكم لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم.
- {قال} فرعون {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} حيث يزعم أن في الوجود إلـٰـها غيري، وكان فرعون ينكر إلـٰـهية غيره.
- {قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم، وهذا غاية الإرشاد حيث عمم أولا بخلق السماوات والأرض وما بينهما، ثم خصص أنفسهم وءاباءهم، لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه، وما شاهد ممن أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين([1]) وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الرحمن عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن كنعان.
- {قال لئن اتخذت إلها غيري} أي غيري إلـٰـها {لأجعلنك من المسجونين} لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق، فردا لا يبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أشد من القتل.
{قال أولو جئتك} أتفعل بي ذلك ولو جئتك {بشيء مبين} [يبين لك صدق دعواي، يعني المعجزة].
([1]) الخافقان: أفق المشرق والمغرب.