تفسير سورة الروم من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الروم من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (25) وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين (29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) - {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} [لأن] حواء خلقت من ضلع ءادم عليه السلام والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال {لتسكنوا إليها} [لتميلوا إليها وتألفوا بها فإن الجنسية علة للضم والاختلاف سبب للتنافر] {وجعل بينكم مودة ورحمة} جعل بينكم التواد والتراحم بسبب الزواج {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} فيعلمون أن قوام الدنيا بوجود التناسل.
- {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم} أي اللغات {وألوانكم} كالسواد والبياض وغيرهما، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو تشاكلت واتفقت لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت المصالح، وفي ذلك ءاية بينة حيث ولدوا من أب واحد، وهم – على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله – متفاوتون {إن في ذلك لآيات للعالمين} جمع عالم، [أي يرجعون إلى علم وإدراك حقائق الأمور ولا يقصرون همهم على الظاهر من الحياة الدنيا].
- {ومن ءاياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} ومن ءاياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} سماع تدبر بآذان واعية.
- {ومن آياته يريكم البرق خوفا} من الصاعقة {وطمعا} في الغيث، أي خائفين وطامعين {وينزل من السماء ماء} مطرا {فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} يتفكرون بعقولهم.
- {ومن ءاياته أن تقوم} تثبت بلا عمد {السماء والأرض بأمره} أي بإقامته أو بتدبيره وحكمته {ثم إذا دعاكم} للبعث {دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} من قبوركم، و{من الأرض} متعلق بالفعل لا بالمصدر، [ومعناه إذا دعاكم دعوة وأنتم في الأرض أموات تخرجون منها أحياء].
- {وله من في السماوات والأرض كل له قانتون} منقادون لا يمتنعون عليه [في الحياة والموت والنشور].
- {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} ينشئهم ثم يعيدهم للبعث {وهو} أي البعث {أهون} أيسر {عليه} عندكم، [أي فيما تصورون في أنفسكم]، لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء [من غير شيء]، فلم أنكرتم الإعادة؟ [أو {أهون} بمعنى هين، أي يسير] {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} الوصف الأعلى الذي ليس لغيره، وقد عرف به ووصف في السماوات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدورات، ويدل عليه قوله: {وهو العزيز} القاهر لكل مقدور {الحكيم} الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الـمثل الأعلى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}([1]) [الشورى: 11] ويعضده قوله:
- {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن جعل له شريكا من خلقه {هل لكم} معاشر الأحرار {من ما ملكت أيمانكم} عبيدكم {من شركاء} معناه: هل ترضون لأنفسكم – وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيد – أن يشارككم بعضهم {في ما رزقناكم} من الأموال وغيرها {فأنتم} معاشر الأحرار والعبيد {فيه} في ذلك الرزق {سواء} من غير تفصلة بين حر وعبد، يحكم مماليككم في أموالكم كحكمكم {تخافونهم} تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكما دون إذنهم خوفا من لائمة تلحقكم من جهتهم {كخيفتكم أنفسكم} كما يخاف بعض الأحرار بعضا فيما هو مشترك بينهم، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم، فكيف ترضون لرب الأرباب([2]) ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء {كذلك} مثل هذا التفصيل {نفصل الآيات} نبينها لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها {لقوم يعقلون} يتدبرون في ضرب الأمثال. فلما لم ينزجروا أضرب عنهم، فقال:
- {بل اتبع الذين ظلموا} أنفسهم بما أشركوا {أهواءهم بغير علم} [ليس إصرار هؤلاء المشركين لانقطاع الحجج وتأخر الإرشاد، بل يتبعون ما تمل إليه نفوسهم اتباعا لسلفهم بغير علم] {فمن يهدي من أضل الله} [استفهام بمعنى النفي، أي فلا هادي لمن] أضله الله تعالى {وما لهم من ناصرين} [لا مانع لهم] من العذاب [يوم القيامة كما لا هادي لهم في الدنيا].
{فأقم وجهك للدين حنيفا} فقوم وجهك له وعدله غير ملتفت عنه يمينا ولا شمالا، وهو تمثيل لإقباله على الدين، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه، فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه، وسدد إليه نظره، وقوم له وجهه {فطرة الله} الزموا فطرة دين الله، والفطرة الخلقة، المعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد والإسلام، غير نابين عنه ولا منكرين له، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا ءاخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن والإنس([3]) {التي فطر الناس عليها} أي خلق {لا تبديل لخلق الله} ما ينبغي([4]) أن تبدل تلك الفطرة أو تغير، وقال الزجاج: معناه لا تبديل لدين الله [أي لا تبدلوه بأن تشركوا] {ذلك الدين القيم} المستقيم {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} حقيقة ذلك.
([1]) على هذا الوجه الذي نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما يكون المعنى: ليس كمثله أي كصفته شيء، فيلزم من ذلك أنه ليس كذات الله شيء، فكأنه قال: ليس كذات الله ذات، ولا كصفات الله صفات. الله تعالى أقفل قلوب المشبهة، على زعمهم: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] أي ليس على صورة البشر تماما، على زعمهم له صورة وحجم لكن ليس كصورة البشر تماما، إنما يوجد اختلاف، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لو قل تعالى: ليس كمثله بشر، قد يقول قائل: البشر لا يشبههم، أما غير البشر فيشبهه، ولو كانت العبارة: ليس كمثله الملائكة، لادعى مدع أن الله لا يشبه الملائكة، أما غيرهم فيشبهه، لكنه تعالى قال: {ليس كمثله شيء} والشيء يشمل الإنس والجن والشمس والقمر والضوء والظلام والهواء والروح وكل ما هو داخل في الوجود.
([2]) رب الأرباب معناه مالك الـملاك. الرب في لغة العرب له معان عديدة، الـمربي يقال له رب، والسيد يقال له رب، والـمصلح كذلك، أما إذا أدخل عليه «أل» فلا يطلق إلا على الله، إذا قيل الرب فهو الله فقط، لا يقال للمخلوقات: الرب. ويطلق رب بمعنى مستحق الشيء، كأن يقال: فلان رب الدار، فلان رب هذا البستان، فلان رب النجارة، فلان رب الخياطة، ونحو ذلك، لكن لا يقال: فلان رب النجارين.
([3]) خلق الله البشر مستعدين للإيمان غير كافرين، ثم الشياطين أفسدتهم، المولود عندما يولد يكون على استعداد للإسلام، لأنه لما أخرج الله تعالى ذرية البشر من ظهورهم وركب فيهم عقلا وأنطقهم اعترفوا وقالوا: لا رب لنا غيرك، على مقتضى ذلك الإقرار يخرج المولود من بطن أمه، ثم بعد ذلك من شاء الله تعالى له الكفر يسمع من أبيه أو من أمه أو من غيرهما من الكفار، أو من شياطين الجن، الكفر فيكفر.
