تفسير سورة الروم من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة الروم من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40) - {منيبين إليه} التقدير: كونوا منيبين إليه، أي راجعين إليه {واتقوه وأقيموا الصلاة} أدوها في أوقاتها {ولا تكونوا من المشركين} ممن يشرك به غيره في العبادة.
- {من الذين فرقوا دينهم} جعلوه أديانا مختلفة لاختلاف أهوائهم، أي تركوا دين الإسلام {وكانوا شيعا} فرقا كل واحدة تشايع إمامها([1]) الذي أضلها {كل حزب} منهم {بما لديهم فرحون} فرح بمذهبه مسرور يحسب باطله حقا.
- {وإذا مس الناس ضر} شدة من هزال أو مرض أو قحط أو غير ذلك {دعوا ربهم منيبين إليه} [راجعين إليه دون غيره] {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} خلاصا من الشدة {إذا فريق منهم بربهم يشركون} في العبادة.
- {ليكفروا بما آتيناهم} من النعم {فتمتعوا} بكفركم قليلا، أمر وعيد([2]) {فسوف تعلمون} وبال تمتعكم.
- {أم أنزلنا عليهم سلطانا} حجة [أو كتابا، وهو استفهام إنكار وتوبيخ] {فهو يتكلم} وتكلمه مجاز – كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرءان – فهو يشهد {بما كانوا به يشركون} بكونهم بالله يشركون.
- {وإذا أذقنا الناس رحمة} نعمة من مطر أو سعة أو صحة {فرحوا بها} بطروا بسببها {وإن تصبهم سيئة} بلاء من جدب، أو ضيق أو مرض {بما قدمت أيديهم} بسبب شؤم معاصيهم {إذا هم يقنطون} [ييأسون] من الرحمة، [ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة ويرجو ربه عند الشدة].
- {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أنكر عليهم بأنهم قد علموا بأنه الباسط القابض، فما لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون غليه تائبين عن المعاصي التي عوقبوا بالشدة من أجلها حتى يعيد إليهم رحمته.
ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم، أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل، وما يجب أن يرك فقال:
- {فآت ذا القربى} أعط قريبك {حقه} من البر والصلة، وفيه دليل على وجوب النفقة للمحارم كما هو مذهبنا([3])، [وقيل قوله تعالى: {حقه} أي: حاجته، كقوله تعالى في قصة لوط عليه السلام: {ما لنا في بناتك من حق} [هود: 79] أي من حاجة؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق، ولكن أرادوا بالحق الحاجة] {والمسكين وابن السبيل} نصيبهما من الصدقة الـمسماة لهما، [والمسكين: من لا يجد شيئا، وقيل: يجد شيئا لا يكفيه، وابن السبيل: المسافر المنقطع عن ماله] {ذلك} أي إيتاء حقوقهم {خير للذين يريدون وجه الله} أي ذاته، أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصا {وأولئك هم المفلحون} [حيث حصلوا بما بسط لهم من النعيم الفاني في الدنيا النعيم المقيم في الآخرة].
- {وما ءاتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} يريد: وما أعطيتم أكلة الربا من ربا ليزيد ويزكو في أموالهم {فلا يربو عند الله} فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه، وقيل: وما تعطونه من الهدية لتأخذوا أكثر منها فلا يربو عند الله لأنكم لم تريدوا بذلك وجه الله([4]) {وما ءاتيتم من زكاة} صدقة {تريدون وجه الله} تبتغون به وجهه خالصا، لا تطلبون به مكافأة ولا رياء ولا سمعة {فأولئك هم المضعفون} هم الذين يضاعف لهم الثواب، يعطون بالحسنة عشر أمثالها.
{الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم} أي هو المختص بالخلق والرزق والإماتة والإحياء {هل من شركائكم} أي أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء الله {من يفعل من ذلكم من شيء} أي شيئا من تلك الأفعال؟ [فإذا كانوا لا يفعلون شيئا من ذلك فكيف أشركتموهم بي؟!] {سبحانه وتعالى عما يشركون} [تقدس الله تعالى وتنزه عن أن يكون له شريك].
([2]) هذا للوعيد والتهديد، وليس لطلب تمتعهم بكفرهم، كقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا} [الكهف: 29]. بعض الملحدين يحتجون بهذا القدر من الآية: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} يقولون: الإنسان له حرية إن شاء يؤمن وإن شاء يكفر، فيقال لهؤلاء الملحدين: تكذبكم الجملة التي بعدها: { إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها}، {للظالمين} معناه الذين كفروا {فمن شاء فليؤمن} فله النجاة من النار {ومن شاء فليكفر} فله تلك النار، هذا معنى الآية، أين ما يدعونه من معنى الآية؟!
