تفسير سورة الروم من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة الروم من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير (50)
{ظهر الفساد في البر والبحر} نحو القحط وقلة الأمطار والريع في الزراعات، والربح في التجارات، ووقوع الـموتان([1]) في الناس والدواب، وكثرة الحرق والغرق، ومحق البركات من كل شيء {بما كسبت أيدي الناس} بسبب معاصيهم وشركهم {ليذيقهم بعض الذي عملوا} وبال بعض أعمالهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة {لعلهم يرجعون} عما هم عليه من المعاصي.
ثم أكد تسبيب المعاصي لغضب الله ونكاله([2]) بقوله:
- {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين} حيث أمرهم بأن يسيروا فينظروا كيف أهلك الله الأمم وأذاقهم سوء العاقبة بمعاصيهم، [وقوله: {كان أكثرهم مشركين} أي أهلك الأكثر بسبب الشرك وبعضهم بسبب المعاص، لأنه تعالى يهلك بالمعاصي كما يهلك بالشرك، كأصحاب السبت، أو أهلكهم كلهم المشرك والمؤمن كقوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25]، أو أهلكهم كلهم وهم كفار، فأكثرهم مشركون وبعضهم معطل].
- {فأقم وجهك للدين القيم} البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد {يومئذ يصدعون} يتصدعون أي يتفرقون.
ثم أشار إلى غناه عنهم فقال:
- {من كفر فعليه كفره} أي وبال كفره {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} أي يسوون لأنفسهم ما يسويه لنفسه الذي يهمد لنفسه فراشه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مرقده، والمعنى أنه يمهد لهم الجنة بسبب أعمالهم، على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه([3]).
- {ليجزي الذين ءامنوا} [بالله وحده] {وعملوا الصالحات} [له وحده] لا يفلح عنده إلا المؤمن {من فضله} أي عطائه {إنه لا يحب الكافرين} [فلا يساويهم بالمؤمنين، بل يعاقب الكافرين عذابا غير منقطع وذلك عدل منه، ويثيب المؤمنين ثوابا غير منقطع وذلك فضل منه].
- {ومن ءاياته} ومن ءايات قدرته {أن يرسل الرياح} هي الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب، وقد عدد الفوائد في إرسالها فقال: {مبشرات} أي أرسلها بالبشارة بالغيث {وليذيقكم من رحمته} ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه، وغير ذلك {ولتجري الفلك} في البحر عند هبوبها {بأمره} بتدبيره {ولتبتغوا من فضله} يريد تجارة البحر {ولعلكم تشكرون} ولتشكروا نعمة الله فيها.
- {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات} أي فآمن بهم قوم، وكفر بهم قوم {فانتقمنا من الذين أجرموا} أي كفروا بالإهلاك في الدنيا {وكان حقا علينا} [شبه بالحق الواجب لتأكيد ثبوته وتحقق وقوعه بمقتضى وعده تعالى الذي لا خلف فيه وإن كان ذلك تفضلا منه تعالى وكرما، وإلا فهو تعالى منزه عن أن يكون عليه حق لازم] {نصر المؤمنين} بإنجائهم مع الرسل.
- {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه} أي السحاب {في السماء} في سمت السماء وشقها([4]) {كيف يشاء} من ناحية الشمال أو الجنوب أو الدبور أو الصبا {ويجعله كسفا} قطعا جمع كسفة، أي يجعله منبسطا يأخذ وجه السماء مرة، ويجعله قطعا متفرقة غير منبسطة مرة {فترى الودق} المطر {يخرج} في التارتين جميعا {من خلاله} وسطه {فإذا أصاب به} بالودق {من يشاء من عباده} يريد إصابة بلادهم وأراضيهم {إذا هم يستبشرون} يفرحون.
- {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم} المطر {من قبله} كرر للتأكيد، ومعنى التوكيد فيها الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم بأسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك {لمبلسين} ءايسين.
- {فانظر إلى آثار رحمت الله} أي المطر {كيف يحيي الأرض} بالنبات وأنواع الثمار {بعد موتها} [يبسها] {إن ذلك لمحيي الموتى} يعني أن ذلك القادر الذي يحيي الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الناس بعد موتهم، فهذا استدلال بإحياء الموات على إحياء الأموات {وهو على كل شيء قدير} وهو على كل شيء من المقدورات قادر، وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء.
{ولئن أرسلنا ريحا} [مفسدة وهي] الدبور {فرأوه} أي أثر رحمة الله، لأن رحمة الله هي الغيث، وأثرها النبات {مصفرا} بعد اخضراره {لظلوا} معناه ليظلن {من بعده يكفرون} من بعد اصفراره، أو من بعد الاستبشار [يكفرون]، ذمهم الله تعالى بأنه إذا حبس عنهم المطر قنطوا من رحمته وضربوا أذقانهم على صدورهم مبلسين، فغذا أصابهم برحمته ورزقهم المطر استبشروا، فإذا أرسل ريحا فضرب زروعهم بالصفار ضجوا وكفروا بنعمة الله، فهم في جميع هذه الأحوال على الصفة المذمومة، كان عليهم أن يتوكلوا على الله وفضله فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها ففرحوا [ولم يحمدوا]، وأن يصبروا على بلائه فكفروا.
([1]) الـموتان: الموت الكثير الوقوع.
([3]) هذا في الآخرة، أما في الدنيا فقد تصيب المؤمن النقمة التي تنزل بسبب الكفار والفاسقين.
