تفسير سورة الدخان من الآية واحد إلى عشرة
سورة الدخان
تسع وخمسون ءاية مكية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الدخان من الآية واحد إلى عشرة
حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10)
- 2- {حم} [تقدم الكلام عليها في أول سورة غافر] {والكتاب المبين} [أقسم بالكتاب المبين]؛ أي القرءان، وجواب القسم:
- {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} أي ليلة القدر، لقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] وقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان} [البقرة: 185] وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان، ثم قالوا: أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل [نجوما([1])] في وقت وقوع الحاجة إلى نبيه محمد ﷺ، وقيل: ابتداء نزوله في ليلة القدر، والمباركة: الكثيرة الخير لما ينزل فيها من الخير والبركة ويستجاب من الدعاء، [ويضاعف فيها الثواب، وهي أعظم الليالي قدرا وخير من ألف شهر نصا] ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرءان وحده لكفى به بركة {إنا كنا منذرين} [مخوفين بالكتاب والرسول الخلق بالعذاب؛ ردعا عن الكفر والمعصية، وشوقا إلى الإيمان والطاعة].
- {فيها يفرق كل أمر} معنى يفرق: يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وءاجالهم، وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجيء في السنة المقبلة، [والمعنى: أن الله يطلع ملائكته في هذه الليلة على تفاصيل ما يحدث في هذه السنة من هذه الليلة إلى مثلها من العام القابل من موت وحياة وولادة وأرزاق ومطر ونحو ذلك ويؤمرون باستنساخ ذلك في صحفهم من اللوح المحفوظ] {حكيم} ذي حكمة؛ أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر به مجاز.
- {أمرا من عندنا} أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا {إنا كنا مرسلين} [الرسل محمدا ومن قبله].
- {رحمة من ربك} المعنى: إنا أنزلنا القرءان لأن من شأننا وعادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا [رحمة منا للخلق] {إنه هو السميع} لأقوالهم {العليم} بأحوالهم.
- {رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} كانوا يقرون بأن للسموات والأرض ربا وخالقا، فقيل لهم: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل: إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان، [أي فوحدوه ولا تشركوا به شيئا، فإن الإيقان بذلك يوجب الإيمان].
- {لا إله إلا هو} [لا معبود لكم أيها الناس غير رب السماوات والأرض وما بينهما، فإنه لا تصلح العبادة لغيره] {يحيي ويميت} [بيان لاختصاصه بالألوهية لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره] {ربكم} أي [فهذا الذي هذه صفته] هو ربكم {ورب ءابائكم الأولين} [فاعبدوه دون ءالهتكم التي لا تقدر على ضر ولا نفع]، ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله:
- {بل هم في شك يلعبون} وإن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن بل [هم مقلدون شاكون، وقولهم] قول مخلوط بهزء ولعب.
{فارتقب} فانتظر [يا محمد بهؤلاء المشركين من قومك] {يوم تأتي السماء بدخان} لما استعصت [قريش] على رسول الله ﷺ دعا عليهم فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فأصابهم الجهد([2]) حتى أكلوا الجيف والعلهز([3])، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان [لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار، ولذلك قيل للسنة المجدبة: غبراء، وقيل للجوع: أغبر، {مبين} ظاهر حاله لا يشك أحد [فيه، أي: انتظر نزول هذا العذاب بهم، فإنه كائن].
([2]) الجهد بفتح الجيم: الـمشقة الشديدة.
([3]) العلهز: طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة.
