تفسير سورة الحديد من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الحديد
مدنية وقيل مكية وهي تسع وعشرون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الحديد من الآية واحد إلى الآية عشرة
سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم (9) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10)
- {سبح لله} [نزه الله تعالى عن كل سوء] {ما في السماوات والأرض} ما يتأتى منه التسبيح ويصح، [وقيل: هو حقيقة في الجميع، أي: جميع ما في السماوات والأرض من أصناف الخلائق يسبحون الله تعالى تعظيما له وإقرارا بربوبيته كما قال تعالى في سورة الإسراء: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولـكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44] {وهو العزيز} [الـمنيع بسلطانه وجلاله] {الحكيم} [الـمصيب في أقواله وأفعاله].
- {له ملك السماوات والأرض} لا لغيره {يحيي} الموتى {ويميت} الأحياء {وهو على كل شيء} [من الإحياء والإماتة وغيرها] {قدير} [تام القدرة].
- {هو الأول} هو القديم الذي كان قبل كل شيء {والآخر} الذي يبقى بعد هلاك كل شيء {والظاهر} بالأدلة الدالة عليه {والباطن} لكونه غير مدرك بالحواس وإن كان مرئيا، وقيل: الظاهر العالي على كل شيء([1]) الغالب له، من ظهر عليه: إذا علاه وغلبه، والباطن: الذي بطن كل شيء، أي: علم باطنه {وهو بكل شيء عليم} [لا يخفى عليه شيء].
- {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} [أي: في مقدار ذلك، لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس وغروبها، ولم تكن الشمس حينئذ، ثم قيل]: من أيام الدنيا، [وقيل: هي كأيام الآخرة كل يوم ألف سنة] ولو أراد أن يجعلها في طرفة عين لفعل، [وقيل: إنما فعل ذلك تعليما لخلقه التأني والتثبت في الأمور] {ثم استوى} استولى، [أي: وقد استولى، {على العرش} أضاف الله تعالى الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه وتعالى مستوليا على جميع المخلوقات لأن العرش أعظمها فهو أعظم المخلوقات من حيث الـمساحة وهو سقف الجنة، وقيل: العرش: الـملك، يقال: ثل عرش فلان؛ أي: زال ملكه، والاستواء: ظهور التمام، قال تعالى: {ولما بلغ أشده واستوى} [القصص: 14]، أي ثم ظهر لذوي العقل والتمييز من خلقه تمام ملكه وعظمته وجلاله، وقبل خلقهم لم يكن من له معرفة ذلك. وأما حمل الاستواء على التمكن والاستقرار، وتجويز الانتقال على الله تعالى على ما يقوله الـمشبهة فهو باطل لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]([2])] {يعلم ما يلج في الأرض} ما يدخل في الأرض من البذر والقطر والكنوز والموتى {وما يخرج منها} من النبات وغيره {وما ينزل من السماء} من الملائكة والأمطار {وما يعرج فيها} [يصعد] من الأعمال والدعوات {وهو معكم أين ما كنتم} بالعلم والقدرة عموما، وبالفضل والرحمة خصوصا {والله بما تعملون بصير} فيجازيكم بحسب أعمالكم.
- 6- {له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور} [وإلى الله مصير جميع أمور خلقه] {يولج الليل في النهار} يدخل الليل في النهار بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار {ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور} [بخفيات الصدور، ومن قدر على هذه الأشياء فلن يعجزه إهلاك من كفر به، فلا تتوهموا معاشر المسلمين أن إمهال الكفار لعجز، وأن أمري إياكم بجهادهم لحاجة، ولكن لأبتليكم به وأعوضكم عليه النعيم المقيم الذي خلقتكم له خلقته لكم، وهو وجه انتظام هذا بما بعده].
- {ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا} يحتمل الزكاة والإنفاق في سبيل الله {مما جعلكم مستخلفين فيه} يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياه للاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم بتوريثه إياكم وسينقله منكم إلى من بعدكم، فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به {فالذين ءامنوا} بالله ورسله {منكم وأنفقوا لهم أجر كبير}.
- {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم} وأي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم {لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم} وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بقوله: {ألست بربكم} [الأعراف: 172]، أو بما ركب فيكم من العقول ومكنكم من النظر في الأدلة، فإذا لم يبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول ﷺ فما لكم لا تؤمنون؟! [وهو استفهام على سبيل التأنيب والإنكار] {إن كنتم مؤمنين} لموجب ما، فإن هذا الموجب لا مزيد عليه.
- {هو الذي ينزل على عبده} محمد ﷺ {ءايات بينات} يعني: القرءان {ليخرجكم} الله تعالى، أو محمد بدعوته {من الظلمات إلى النور} من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان {وإن الله بكم لرؤوف رحيم} [حيث نبهكم بالرسول والآيات، ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية، و] الرأفة: أشد الرحمة.
{وما لكم ألا تنفقوا} في ألا تنفقوا {في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض} يعني: وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله مهلككم فوارث أموالكم، وهو من ابلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} أي: فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجا ومن أنفق من بعد الفتح {أولئك} الذين أنفقوا قبل الفتح، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي ﷺ: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» {أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا} وكل واحد من الفريقين {وعد الله الحسنى} أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات، قيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه لأنه أول من أسلم [من الرجال]، وأول من أنفق في سبيل الله، وفيه دليل على فضله وتقدمه {والله بما تعملون خبير} فيجازيكم على قدر أعمالكم.
