تفسير سورة الجاثية من الآية واحد إلى عشرة
سورة الجاثية
مكية وهي سبع وثلاثون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الجاثية من الآية واحد إلى عشرة
حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10)
- 2- {حم} [سبق الكلام في {حم} في أول سورة غافر] {تنزيل الكتاب من الله} [أي: هذا تنزيل القرءان من عند الله] {العزيز} في انتقامه [من أعدائه] {الحكيم} في تدبيره [أمر خلقه].
- {إن في السماوات والأرض لآيات} لدلالات على وحدانيته، ويجوز أن يكون المعنى: إن في خلق السماوات والأرض لآيات {للمؤمنين} [للمصدقين بالحجج إذا تبينوها ورأوها]، دليله قوله:
- {وفي خلقكم} [وفي خلق كل منكم من نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن صار إنسانا] {وما يبث} [يفرق في الأرض] {من دابة} [هو ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم] {آيات لقوم يوقنون} [أي دلالات لقوم لهم نظر يؤديهم إلى اليقين].
- {واختلاف الليل والنهار} [أي: وفي ذهابهما ومجيئهما] {وما أنزل الله من السماء من رزق} أي مطر، وسمي به لأنه سبب الرزق {فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} المعنى أن المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض نظرا صحيحا علموا أنها مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا بالله، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال، وفي خلق ما ظهر على الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيمانا وأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار، وحياة الأرض بها بعد موتها، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا([1])، عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم.
- {تلك} إشارة إلى الآيات المتقدمة، أي تلك الآيات {آيات الله نتلوها عليك بالحق} [نخبرك عنها بالحق لا بالباطل كما يخبر مشركو قومك عن ءالهتهم بالباطل أنه تقربهم إلى الله زلفى([2])] {فبأي حديث بعد الله} [أي: بعد حديثه([3]) الذي يتلوه عليك، وهو القرءان] {وءاياته} [وحججه التي نبه هؤلاء المشركين عليها] {يؤمنون} [يصدقون، وفيه إنكار وتقريع وتوبيخ].
- {ويل لكل أفاك} [وعيد بشدة العذاب لكل] كذاب {أثيم} مبالغ في اقتراف الآثام.
- {يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر} يقبل على كفره ويقيم عليه {مستكبرا} عن الإيمان بالآيات والإذعان لما تنطق به من الحق، مزدريا لها، معجبا بما عنده، قيل: نزلت في النضر بن الحارث وما كان يشتري من أحاديث العجم ويشغل بها الناس عن استماع القرءان، والآية عامة في كل من كان مضارا لدين الله {كأن لم يسمعها} يصر مثل غير السامع {فبشره بعذاب أليم} فأخبره خبرا يظهر أثره على البشرة.
- {وإذا علم من ءاياتنا شيئا} وإذا بلغه شيء من ءاياتنا وعلم أنه منها {اتخذها} اتخذ الآيات {هزوا} إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.
{أولئك} إشارة إلى كل أفاك أثيم {لهم عذاب مهين} مخز.
{من ورائهم} من قدامهم، فالوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام {جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا} من الأموال {شيئا} من عذاب الله {ولا ما اتخذوا من دون الله} من الأوثان {أولياء} [نصراء في الدنيا] {ولهم عذاب عظيم} في جهنم.
([1]) القبول: ريح الصبا التي تهب من مطلع الشمس، والدبور: هي الريح التي تقابل الصبا والقبول وتهب من جهة المغرب.
([2]) الزلفى: المنزلة والدرجة.
([3]) وذلك كقوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} [الزمر: 23].
