باب مشروعية زيارة القبور
اتفقت نصوص العلماء على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، ودليله مع الإجماع[1] الأحاديث الصحيحة المشهورة
وكانت زيارتها منهيا عنها أولا ثم نسخ ثبت في صحيح مسلم[2] رحمه الله عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها“، ولمسلم[3] من حديث أبي هريرة مرفوعا ” زوروا القبور فإنها تذكر الموت “، وفي مسند أحمد[4]:” كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا“، والهجر الكلام الباطل. وفي سنن النسائي[5]: ” ونهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا“. وفي سنن ابن ماجه[6]: “زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة“.اهـ وفي مستدرك الحاكم[7]: ” كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنه يرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا “.اهـ
وأما النساء فتجوز لهن الزيارة، ولكن اختلف العلماء هل فيها أجر أم لا، قال النووي الشافعي في روضة الطالبين[8]: فرع يستحب للرجال زيارة القبور وهل يكره[9] للنساء وجهان أحدهما وبه قطع الأكثرون يكره، والثاني وهو الأصح عند الروياني لا يكره إذا أمنت من الفتنة.اهـ
وقال أبو البركات الشرنبلالي الحنفي في كتاب متن نور الإيضاح في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ما نصه[10]: فصل في زيارة القبور، ندب زيارتها للرجال والنساء على الأصح.اهـ
وفي كتاب الفتاوى الهندية[11] في مذهب الإمام أبي حنيفة، (قام بتأليفها جماعة من علماء الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البلخي): واختلف المشايخ رحمهم الله تعالى في زيارة القبور للنساء قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى الأصح أنه لا بأس بها وفي التهذيب يستحب زيارة القبور.اهـ
وفي كتاب المقنع في فقه الإمام أحمد، لابن قدامة المقدسي[12] ما نصه: فصل: يستحب للرجال زيارة القبور. وهل تكره للنساء على روايتين.اهـ
وفي شرح منتهى الإرادات للبهوتي الحنبلي[13]: ( إلا ) زيارة النساء ( لقبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه ) أبي بكر وعمر ( فتسن ) كالرجال. اهـ
وفي مغني المحتاج للخطيب الشربيني الشافعي[14]:” ومحل هذه الأقوال في غير زيارة قبر سيد المرسلين، أما زيارته فمن أعظم القربات للرجال والنساء”.اهـ وفي حاشية الشيخ أحمد القليوبي الشافعي[15]: نعم يندب لهن كالرجال يزار قبره صلى الله عليه وسلم لأنه من أعظم القربات وكذا سائر الأنبياء والأولياء قاله شيخنا الرملي.اهـ
وفي حاشية ابن عابدين الحنفي[16]: ” قال في شرح اللباب وهل تستحب زيارة قبره- صلى الله عليه وسلم- للنساء الصحيح نعم بلا كراهة بشروطها على ما صرح به بعض العلماء، أما على الأصح من مذهبنا وهو قول الكرخي وغيره من أن الرخصة في زيارة القبور ثابتة للرجال والنساء جميعا فلا إشكال، وأما على غيره فكذلك نقول بالاستحباب لإطلاق الأصحاب “.اهـ
قال الحافط ابن حجر في شرح البخاري[17]: واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة ويؤيد الجواز حديث الباب[18]، وموضع الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة فروى الحاكم[19] من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن ” فقيل لها: أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ قالت نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها “.اهـ
قلنا ويؤيد الجواز ما رواه مسلم[20] من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله – تعني إذا زارت القبور-؟ قال: “قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله، بكم للاحقون“.اهـ
واستدل من قال بالكراهة بحديث أم عطية رضي الله عنها عند الشيخين[21]، قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا.اهـ
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري[22]: قوله: (ولم يعزم علينا) أي ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. وقال القرطبي: ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم، ومال مالك إلى الجواز وهو قول أهل المدينة. ويدل على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال ” دعها يا عمر ” الحديث. وأخرجه ابن ماجه والنسائي من هذا الوجه، ومن طريق أخرى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة ورجاله ثقات.اهـ
وأما حديث الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور.اهـ فقد قال الترمذي[23]: وقد رأى بعض أهل العلم، أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور. فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهن وكثرة جزعهن. اهـ
وقال الحاكم النيسابوري في المستدرك[24]: وهذه الأحاديث المروية في النهي عن زيارة القبور منسوخة، والناسخ لها حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: “قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها“، فقد أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه. وهذا الحديث-يعني الناسخ- مخرج في الكتابين الصحيحين للشيخين رضي الله تعالى عنهما. اهـ
وروى الحاكم أيضا في مستدركه[25]: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه: أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة، فتصلي وتبكي عنده.اهـ هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات. وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحريا للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة، وصلى الله على محمد وآله أجمعين. اهـ
قال ملا علي القاري في المرقاة بعد أن ذكر الأحاديث في الرخصة في زيارة القبور ما نصه[26]: فهذه الأحاديث بتعليلاتها تدل على أن النساء كالرجال في حكم الزيارة إذا زرن بالشروط المعتبرة في حقهن، ويؤيده الخبر السابق أنه عليه الصلاة والسلام مر بالمرأة فأمرها بالصبر ولم ينهها عن الزيارة، وأما خبر:” لعن الله زوارات القبور” فمحمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه. اهـ
وفي حاشية الشيخ أحمد القليوبي[27]: ” وتحرم- يعني زيارة القبور- على معتدة ولو عن وفاة وبغير إذن حليل. اهـ
وأما عن وقت الزيارة، فلم يخصص الشارع جوازها بوقت دون ءاخر، فقد قالت [28] السيدة عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها يخرج من آخر الليل إلى البقيع.اهـ ولم يستثن النبي عليه الصلاة والسلام يوما فى زيارة القبور سواء كان يوم عيد أو غيره[29].
ففي منح الجليل للشيخ محمد عليش المالكي[30]: ( و ) جاز بمعنى ندب للرجال خاصة ( زيارة القبور بلا حد ) أي تحديد بيوم من الأسبوع أو وقت من اليوم أو بمدة مكث عندها مالك رضي الله تعالى عنه بلغني أن الأرواح بفناء المقابر فلا تختص زيارتها بيوم بعينه، وإنما خص يوم الجمعة لفضله والفراغ فيه أو دعاء، وينبغي مزيد الاعتبار بحال الموتى حال زيارتهم، وكثرة الدعاء والتضرع. اهـ
وفي الفتاوى الهندية[31]: وأفضل أيام الزيارة أربعة يوم الاثنين والخميس والجمعة والسبت، والزيارة يوم الجمعة بعد الصلاة حسن ويوم السبت إلى طلوع الشمس ويوم الخميس في أول النهار وقيل في آخر النهار وكذا في الليالي المتبركة لا سيما ليلة براءة وكذلك في الأزمنة المتبركة كعشر ذي الحجة والعيدين وعاشوراء وسائر المواسم كذا في الغرائب. اهـ
وفي كتاب الايضاح للنووي[32]: يستحب أن يخرج كل يوم إلى البقيع خصوصا يوم الجمعة.اهـ وفيه: يستحب أن يزور قبور الشهداء بأحد وأفضله يوم الخميس وابتداؤه بحمزة عم رسول الله[33].اهـ
[1] نقل الإجماع عدد من العلماء منهم الحافظ الفقيه النووي في كتابه المجموع، كتاب الجنائز، ويستحب للرجال زيارة القبور. (5/316)
[2] صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، وفي كتاب الأضاحي. باب: بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام. وبيان نسخه وإباحة إلى متى شاء.
[3] صحيح مسلم، كتاب الجنائز. باب استئذان النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه.
[4] مسند أحمد، مسند الأنصار رضي الله عنهم.حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه
[5] سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور
[6] سنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور.
[7] مستدرك الحاكم، كتاب الجنائز
[8] روضة الطالبين، كتاب الجنائز، باب الدفن. (2/57)
[9] أي كراهة تنـزيهية دون الحرام.
[10] نور الإيضاح ونجاة الأرواح، فصل في صلاة الجنازة، فصل في زيارة القبور.(ص/66، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده بميدان الأزهر بمصر)
[11] الفتاوى الهندية، كتاب الكراهية، الباب السادس عشر في زيارة القبور وقراءة القرآن في المقابر، (5/350، دار صادر)
[12] المقنع، كتاب الجنائز، فصل يستحب للرجال زيارة القبور. (ص/49، دار الكتب العلمية)
[13] شرح منتهى الإرادات، كتاب الجنائز، فصل في زيارة قبر المسلم. (1/360، دار الفكر).
[14] مغني المحتاج، كتاب الجنائز، مسائل منثورة.(1/365، دار الفكر)
[15] حاشية القليوبي على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين، كتاب الجنائز، فصل في كيفية دفن الميت وما يتبعه.
[16] حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، كتاب الحج، مطلب في تفضيل قبره المكرم صلى الله عليه وسلم.
[17] فتح الباري بشرح البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور. (3/148، طبع دار المعرفة)
[18] يعني بذلك الحديث الذي رواه البخاري في أول باب زيارة القبور وهو: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. اهـ قلنا: وليس في الخبر أنه نهاها عن الخروج إلى المقبرة.اهـ
[19] ولفظه في كتاب الجنائز: عن عبد الله بن أبي مليكة: أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر. فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان قد نهى، ثم أمر بزيارتها.اهـ قلنا: ورواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز، باب ما ورد في دخولهن في عموم قوله فزوروها (4/131).
[20] صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها.
[21] أخرجه البخاري في كتاب الجنائز ،باب اتباع النساء الجنائز. ومسلم في كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز.
[22] فتح الباري، كتاب الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز. (3/145).
[23] سنن الترمذي، أبواب الجنائز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء.
[24] المستدرك على الصحيحين، كتاب الجنائز.
[25] المستدرك على الصحيحين، كتاب الجنائز.
[26] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور. (2/405، دار إحياء التراث العربي).
[27] حاشية القليوبي على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين، كتاب الجنائز، فصل في كيفية دفن الميت وما يتبعه.
[28] أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها.
[29] وأما ادعاء البعض تحريم زيارة القبور في العيدين بدعوى أنهما يوما فرح، فلا وجه له، إذ المقصود من الزيارة الاعتبار والدعاء ونحو ذلك وهذا لا ينافي كونها في العيدين، على أنه ثبت في الحديث الذي أخرجه مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب ما يقرأ به في صلاة العيدين: أن رسول الله كان يقرأ في صلاة العيدين بــــــ ق، والقرآن المجيد. اهـ مع ما فيها من ءايات تذكر بالموت والآخرة.
[30] منح الجليل شرح مختصر سيدي خليل، فصل فيما يتعلق بالميت. (1/506، دار الفكر).
[31] الفتاوى الهندية، كتاب الكراهية، الباب السادس عشر في زيارة القبور وقراءة القرآن في المقابر، (5/350)
[32] الايضاح، الباب السادس في زيارة قبر سيدنا ومولانا رسول صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وعظم وما يتعلق بذلك. (ص/161، دار الكتب العلمية)
[33] وإلى أولئك الذين يمنعون الزيارة في يوم معين كالجمعة أو السبت، ويقدسون ابن القيم، نقول لهم: ذكر ابن القيم في كتابه الروح (ص/11، دار الكتب العلمية) عن سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، فقيل: كيف ذلك، قال: لمكان يوم الجمعة.اهـ وذكر ءاثارا كثيرة.