الخميس يناير 29, 2026

المقدمة

ثبت بالدليل العقلي والنقل ان الله تعالى لا يشبه الاجسام ولا يشبه سائر انواع العالم باي وجه من الوجوه، اما النقل فايات كثيرة اصرحها قوله تعالى: ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى)، فهذه الاية صريحة في وجوب تنزه الله تعالى عن مشابهة من سواه على الاطلاق، لان كلمة: (شىء) نكرة وقعت في سياق النفي فافادت العموم، اي انه ينتفي عن الله مشابهة شىء من العالم، قال الفقيه زكريا الانصاري في كتابه غاية الوصول شرح لب الاصول([1]): «والنكرة في سياق النفي وفي معناه النهي للعموم وضعا في الاصح» اهـ. ثم هذه الاية من المحكمات، ومحكم القران هو الاصل الذي يرد اليه المتشابه، فكل اية اوهمت تشبيها او جسمية يجب الا تحمل على ظاهرها بل ترد الى المحكم، فبذلك نكون قد وفقنا بين المحكم والمتشابه كما قال النبي ﷺ: «اعملوا بمحكمه وامنوا بمتشابهه»([2]). وذلك لان القران لا تتناقض اياته بل يعضد بعضها بعضا.

ولفهم هذا الموضوع على الوجه الصحيح ينبغي معرفة ان القران الكريم توجد فيه ايات محكمات وايات متشابهات، قال تعالى: هو الذي انزل عليك الكتاب منه ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب {7} (ال عمران).

فالايات المحكمات هي ما لا يحتمل من التاويل بحسب وضع اللغة الا وجها واحدا، او ما عرف بوضوح المعنى المراد منه([3])، كقوله تعالى: ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى)، وقوله: ولم يكن له كفوا احد {4} (الاخلاص)، وقوله تعالى: هل تعلم له سميا {65} (مريم)، وقوله سبحانه: وكل شىء عنده بمقدار {8} (الرعد).

واما المتشابه فهو ما لم تتضح دلالته او احتمل اوجها عديدة واحتاج الى النظر لحمله على الوجه المطابق، كقوله عز وجل: الرحمن على العرش استوى {5} (طه)، اي قهر العرش واستولى عليه في قول كثير من اهل العلم([4])، وقوله تعالى: اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه {10} (فاطر) اي ان العمل الصالح يصعد الى محل كرامته تعالى وهو السماء([5])، وهذا منسجم مع الاية الكريمة:

ليس كمثله شىء {11} (الشورى)، فتفسير الايات المتشابهة يجب ان يرد الى الايات المحكمة، وهذا في المتشابه الذي يجوز للعلماء ان يعلموه.

واما المتشابه الذي اريد بقوله: وما يعلم تاويله الا الله {7} (ال عمران) على قراءة الوقف على لفظ الجلالة، فالمقصود ما كان كوجبة القيامة وخروج الدجال على التحديد، وليس المراد ما هو من قبيل اية الاستواء، وبذلك يكون الانسان عاملا بما ورد.

فتبين بذلك ان المتشابه على قسمين:

  • قسم لا يعلم تاويله الا الله، وهو ما كان من نحو قيام الساعة وخروج الدجال على التحديد، وهو المراد بقوله تعالى: وما يعلم تاويله الا الله {7} على قراءة الوقف على لفظ الجلالة، وليس من هذا القسم اية الاستواء.

  • وقسم يعلم تاويله الله والراسخون في العلم، ومثاله ما كان من معنى الاستواء المذكور في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى {5}.

قال الحافظ الفقيه اللغوي الحنفي محمد مرتضى الزبيدي في شرحه على احياء علوم الدين للغزالي([6]) نقلا عن كتاب التذكرة الشرقية للقشيري ما نصه: «واما قول الله عز وجل: وما يعلم تاويله الا الله {7} (ال عمران) انما يريد به وقت قيام الساعة، فان المشركين سالوا النبي ﷺ عن الساعة: ايان مرساها ومتى وقوعها، فالمتشابه اشارة الى علم الغيب، فليس يعلم عواقب الامور الا الله عز وجل، ولهذا قال: هل ينظرون الا تاويله يوم ياتي تاويله {53} (الاعراف)، اي هل ينظرون الا قيام الساعة. وكيف يسوغ لقائل ان يقول في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لمخلوق الى معرفته، ولا يعلم تاويله الا الله، اليس هذا من اعظم القدح في النبوات، وان النبي ﷺ ما عرف تاويل ما ورد في صفات الله تعالى ودعا الخلق الى علم ما لا يعلم؟ اليس يقول: بلسان عربي مبين {195} (الشعراء)، فاذا على زعمهم يجب ان يقولوا كذب حيث قال: بلسان عربي مبين {195} (الشعراء) اذ لم يكن معلوما عندهم، والا فاين هذا البيان؟! واذا كان بلغة العرب فكيف يدعى انه مما لا تعلمه العرب لما كان ذلك الشىء عربيا. فما قول في مقال ماله الى تكذيب الرب سبحانه؟» اهـ. ثم قال القشيري: «ثم كان النبي ﷺ يدعو الناس الى عبادة الله تعالى، فلو كان في كلامه وفي ما يلقيه الى امته شىء لا يعلم تاويله الا الله تعالى، لكان للقوم ان يقولوا: بين لنا اولا من تدعونا اليه وما الذي تقول، فان الايمان بما لا يعلم اصله غير متات» اهـ. ويرد القشيري قائلا: «ونسبة النبي عليه الصلاة والسلام الى انه دعا الى رب موصوف بصفات لا تعقل امر عظيم لا يتخيله مسلم، فان الجهل بالصفات يؤدي الى الجهل بالموصوف، والغرض ان يستبين من معه مسكة من العقل([7]) ان قول من يقول: استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها، واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها، والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها، تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء الى الجهل. وقد وضح الحق لذي عينين، وليت شعري هذا الذي ينكر التاويل يطرد هذا الانكار في كل شىء وفي كل اية! ام يقنع بترك التاويل في صفات الله تعالى؟ فان امتنع من التاويل اصلا فقد ابطل الشريعة والعلوم، اذ ما من اية او خبر الا ويحتاج الى تاويل وتصرف في الكلام([8])، لان ثم اشياء لا بد من تاويلها لا خلاف بين العقلاء فيه الا الملحدة الذين قصدهم التعطيل للشرائع، والاعتقاد لهذا يؤدي الى ابطال ما هو عليه من التمسك بالشرع بزعمه. وان قال يجوز التاويل على الجملة الا في ما يتعلق بالله وبصفاته فلا تاويل فيه فهذا مصير منه الى ان ما يتعلق بغير الله تعالى يجب ان يعلم، وما يتعلق بالصانع وصفاته يجب التقاصي عنه، وهذا لا يرضى به مسلم» اهـ. ويشرح القشيري حال هؤلاء المجسمة قائلا: «وسر الامر ان هؤلاء الذين يمتنعون عن التاويل معتقدون حقيقة التشبيه غير انهم يدلسون ويقولون: له يد لا كالايدي، وقدم لا كالاقدام، واستواء بالذات لا كما نعقل فيما بيننا. فليقل المحقق: هذا كلام لا بد له من استبيان، قولكم: نجري الامر على الظاهر ولا يعقل معناه، تناقض، ان اجريت على الظاهر فظاهر السياق([9]) في قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق {42} (القلم) هو العضو المشتمل على الجلد واللحم والعظم والعصب والمخ، فان اخذت بهذا الظاهر والتزمت بالاقرار بهذه الاعضاء فهو الكفر، وان لم يمكنك الاخذ بها ـ اي ان كنت لا تقول بذلك ـ فاين الاخذ بالظاهر؟ اليس قد تركت الظاهر وعلمت تقدس الرب تعالى عما يوهم الظاهر، فكيف يكون اخذا بالظاهر؟ وان قال الخصم: هذه الظواهر لا معنى لها اصلا فهو حكم بانها ملغاة، وما كان في ابلاغها الينا فائدة وهي هدر وهذا محال. وفي لغة العرب ما شئت من التجوز والتوسع في الخطاب، وكانوا يعرفون موارد الكلام ويفهمون المقاصد. فمن تجافى عن التاويل فذلك لقلة فهمه بالعربية، ومن احاط بطرق من العربية هان عليه مدرك الحقائق. وقد قيل في قول الله تعالى: وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم {7} (ال عمران): فكانه قال: والراسخون في العلم ايضا يعلمونه ويقولون: امنا به، فان الايمان بالشىء انما يتصور بعد العلم، اما ما لا يعلم فالايمان به غير متات، ولهذا قال ابن عباس([10]): «انا من الراسخين في العلم» اهـ. كلام القشيري، نقله الزبيدي واقره.

فهنا مسلكان كل منهما صحيح:

الاول: مسلك السلف، -وهم اهل القرون الثلاثة الاولى- اي الغالب عليهم، فانهم يؤولونها تاويلا اجماليا بالايمان بها واعتقاد ان لها معنى يليق بجلال الله وعظمته بلا تعيين، وردوا تلك الايات الى الايات المحكمة، كقوله تعالى: ليس كمثله شىء {11} (الشورى).

وهذا كما قال الامام الشافعي رضي الله عنه([11]): «امنت بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله([12])» اهـ.

ثم نفي التاويل التفصيلي عن السلف كما زعم بعض مردود بما في صحيح البخاري في كتاب تفسير القران وعبارته هناك([13]): «سورة القصص (كل شىء هالك الا وجهه {88}(، الا ملكه» اهـ. اي سلطان الله تعالى وهو صفة من صفات الله وقد تقدم ذكره.

واول البخاري كذلك الضحك الوارد في الحديث بالرحمة، فقد قال ابن حجر العسقلاني([14]): «قوله «يضحك الله الى رجلين»، قال الخطابي: الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح او الطرب غير جائز على الله تعالى، وانما هذا مثل ضرب لهذا الصنيع الذي يحل محل الاعجاب عند البشر، فاذا راوه اضحكهم، ومعناه الاخبار عن رضا الله بفعل احدهما وقبوله للاخر ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة مع اختلاف حاليهما. قال: وقد اول البخاري الضحك على معنى الرحمة وهو قريب، وتاويله على معنى الرضا اقرب، فان الضحك يدل على الرضا والقبول » اهـ.

وصح ايضا التاويل التفصيلي عن الامام احمد رضي الله عنه وهو من السلف فقد ثبت عنه رضي الله عنه انه قال في قوله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا {22} (الفجر) جاءت قدرته، صحح سنده الحافظ البيهقي([15])، ومعناها جاءت اثار قدرته من المخلوقات مثل الاهوال العظيمة التي تظهر يوم القيامة، ومنها ان الملائكة يجرون جزءا من جهنم بسبعين الف سلسلة الى حيث يراه الناس، هذا موقف عظيم من اهوال يوم القيامة، ثم الارض التي كان الانسان يعمل عليها الحسنات والمعاصي، ياتي الله تعالى بكل قطعة منها فتشهد عليه، وتنطق: فلان عمل علي كذا وكذا من حسنات ومن معاص، القطعة من الارض التي كان يعيش عليها في الدنيا تشهد عليه، اما المعاصي التي تاب منها لا تشهد عليه بها، هذه من جملة الامور العظيمة، وهذا يكون بعدما تدك الارض ولا يبقى عليها واد ولا جبل، الارض الجديدة تصير كالفضة البيضاء، الناس يعادون اليها، بعد ذلك يؤتى بقطعة من الارض التي بدلت فتشهد بما فعله هذا الانسان من خير او شر، بالنسبة لهذا وبالنسبة لهذا، هذه من ايات قدرة الله: (وجاء ربك) معناه الله يظهر ذلك اليوم امورا عظاما تبهر العقول.

وهناك خلق كثير من العلماء ذكروا في تاليفهم ان الامام احمد رضي الله عنه اول تاويلا تفصيليا، منهم الحافظ عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي الذي هو احد اساطين المذهب الحنبلي لكثرة اطلاعه على نصوص المذهب واحوال الامام احمد.

وقال ملا علي القاري([16]): «علمت ان مالكا والاوزاعي ـ وهما من كبار السلف ـ اولا الحديث تاويلا تفصيليا. ومنهم الامام جعفر الصادق، بل قال جمع منهم ومن الخلف: «ان معتقد الجهة كافر» اهـ. وهذا واضح، ومثله ما صرح به العراقي، وقال: انه قول لابي حنيفة ومالك والشافعي والاشعري والباقلاني.

وقد اتفق سائر الفرق على تاويل نحو: وهو معكم اين ما كنتم {4} (الحديد) اي معية العلم والاحاطة، كما قال تعالى لموسى واخيه هارون: ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا ادنى من ذلك ولا اكثر الا هو معهم اين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ان الله بكل شىء عليم {7} (المجادلة)، ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم {115} (البقرة) قال مجاهد([17]): قبلة الله، فاينما كنت في شرق او غرب فلا توجهن الا اليها، ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب اليه من حبل الوريد {16} (ق)، اي لا يخفى على الله خافية» اهـ.

الثاني: مسلك الخلف، وهم من جاء بعد القرون الثلاثة الاولى، وهم يؤولون تلك الايات المتشابهات تفصيلا بتعيين معان لها مما تقتضيه لغة العرب ولا يحملونها على ظواهرها ايضا كالسلف، ولا باس بسلوكه لا سيما عند الخوف من تزلزل العقيدة حفظا من التشبيه، مثل قوله تعالى في توبيخ ابليس: ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي {75} (ص)، فيجوز ان يقال المراد باليدين العناية([18])، والمراد بذلك تكريم نبي الله ادم عليه الصلاة والسلام.

واذا كان المجسمة قد بالغوا في القدح في مسلك التاويل الاجمالي لتمسكهم بالظواهر والعياذ بالله، وهو ما لم يفعله السلف، فمن باب الاولى عندهم ان يبالغوا في القدح في التاويل التفصيلي الذي اسموه تعطيل الصفات! وقد اخذوه من اشخاص غرقوا في متاهات التجسيم والعياذ بالله، منهم الجعد ابن درهم([19])، قال البيهقي([20]): «زعم ـ اي الجعد بن درهم ـ ان الله تعالى لم يتخذ ابراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا، قال ابو رجاء: وكان الجهم ياخذ هذا الكلام من الجعد بن درهم» اهـ. وقال ابو منصور البغدادي([21]): «والجهمية اتباع جهم بن صفوان الذي زعم ان الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم ايضا ان علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بانه شىء او حي او عالم او مريد وقال: لا اصفه، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية، ولم يسم الله تعالى متكلما به، واكفره اصحابنا في جميع ضلالاته» اهـ.

ومن رؤوسهم ابن تيمية المجسم الذي قال في كتابه المسمى بيان تلبيس الجهمية([22])، -علما انه قد تبع الجهمية في بعض مقالاته([23])-: «فمن ادعى انه ليس لله حد فقد رد القران وادعى انه لا شىء لان الله وصف حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال: الرحمن على العرش استوى {5} (طه)، اامنتم من في السماء {16} (الملك)، يخافون ربهم من فوقهم {50} (النحل)، اني متوفيك ورافعك الي {55} (ال عمران)، اليه يصعد الكلم الطيب {10} (فاطر)، فهذا كله وما اشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله تعالى، وجحد ايات الله تعالى» اهـ. فكلام ابن تيمية المجسم هذا تكفير لامة سيدنا محمد ﷺ سلفها وخلفها، لاتفاقهم على نفي الحد عن الله تعالى، كما قال سيدنا علي رضي الله عنه([24]): «من زعم ان الهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود» اهـ. فماذا يقول ابن تيمية في سيدنا علي رضي الله عنه؟ هل يقول انه كافر بتنزيل الله وجاحد لاياته؟!

وقال ابن تيمية([25]) ما نصه: «وقال اهل السنة في قوله: الرحمن على العرش استوى {5} (طه) الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز» اهـ. وهذا زور وبهتان كعادته الخبيثة في الافتراء على اهل السنة. ويقول في الفتوى الحموية ما نصه([26]): «فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة» اهـ.

وقد تقدم ان كلام اهل السنة يدل على ان استوى تاتي بمعنى استولى، وهناك اكثر من سبعين عالما من السلف والخلف اولوا كلمة «استوى» المضافة الى الله تعالى في قوله: الرحمن على العرش استوى {5} (طه): باستولى، ومنهم: الامام المجتهد الحافظ السلفي عبد الله بن يحيى بن المبارك في غريب القران وتفسيره([27])، والامام اللغوي ابراهيم بن السري الزجاج في معاني القران([28])، والامام ابو منصور الماتريدي الحنفي في تاويلات اهل السنة([29])، واللغوي الزجاجي([30]) في اشتقاق اسماء الله، والشيخ ابو بكر الرازي الجصاص الحنفي في احكام القران([31])، وامام الحرمين ابو المعالي الجويني الشافعي في الارشاد([32]) وغيرهم كثير([33]). قال الحافظ ابو بكر بن العربي في عارضة الاحوذي شرح الترمذي ما نصه([34]): «وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله فيكون معنى الاية، ومنها ما لا يجوز على الله بحال، وهو اذا كان الاستواء بمعنى التمكن او الاستقرار او الاتصال او المحاذاة، فان شيئا من ذلك لا يجوز على البارئ تعالى ولا يضرب له الامثال به في المخلوقات، واما ان لا يفسر» اهـ.

وفي كتاب المفردات في غريب القران للراغب الاصفهاني ما نصه([35]): «واستوى يقال على وجهين: احدهما: يسند اليه فاعلان فصاعدا نحو استوى زيد وعمرو في كذا اي تساويا، قال تعالى: لا يستوون عند الله {19} (التوبة). والثاني: ان يقال لاعتدال الشىء، نحو قوله تعالى: ذو مرة فاستوى {6} (النجم)، وقوله: فاذا استويت انت ومن معك {28} (المؤمنون)، ومتى عدي بـ«على» اقتضى الاستيلاء كقوله تعالى: الرحمن على العرش استوى {5} (طه) وقيل: معناه استوى له ما في السماوات وما في الارض اي استقام الكل على مراده بتسوية الله اياه كقوله تعالى: ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شىء عليم {29} (البقرة)، وقيل: معناه استوى كل شىء في النسبة اليه، فلا شىء اقرب اليه من شىء، اذ كان تعالى ليس كالاجسام الحالة في مكان دون مكان» اهـ.

ودونك اي كتاب في عقيدة المجسمة، فسترى انهم يذكرون التاويل منسوبا للجهمية والالحاد والتعطيل والتحريف، ويصفونه بانه اصل كل بدعة وانه شر من التشبيه والتعطيل وانه الطاغوت الاكبر([36])، والحق يقال: هؤلاء المضللين الذين وصفوا التاويل بهذه الاوصاف لا يمكنه ترك التاويل في جميع الاخبار، فهل يكون على زعمهم الالحاد والتعطيل والتحريف والطاغوت مقبولا في بعض النصوص دون بعض؟! ثم هذا التاويل قد ثبت -كما تقدم- عن ائمة السلف والخلف، فمن اين لهم ان يشنعوا هذا التشنيع، ما اجراهم على الطعن والتطاول على ائمة المسلمين، اذا كان ائمة السلف في صدر الامة قد اولوا وتابعهم على ذلك ائمة الخلف فهل بسلوكهم هذا المسلك يعدون معطلين ملحدين، نعوذ بالله من الخذلان.

[1]) غاية الوصول شرح لب الاصول، زكريا الانصاري، ص 147.

[2]) مشكل الاثار، الطحاوي، 4/184، 185. المستدرك، الحاكم، 1/553.

[3]) فتح الباري، ابن حجر، 8/210. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، التهانوي، 2/711.

[4]) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، 22/8، 9.

[5]) تفسير النسفي، النسفي، 3/163.

[6]) اتحاف السادة المتقين، الزبيدي، 2/110.

[7]) اي شىء من العقل. تاج العروس، الزبيدي، مادة م س ك، 27/338.

[8]) الا ما كان نحو قوله تعالى: وهو بكل شىء عليم {101} (الانعام).

[9]) هكذا في الاصل، ولعل الصواب الساق.

[10]) زاد المسير، ابن الجوزي، 1/354. الدر المنثور، السيوطي، 2/152.

[11]) دفع شبه من شبه وتمرد، تقي الدين الحصني، ص56.

[12]) يعني رضي الله عنه لا على ما قد تذهب اليه الاوهام والظنون من المعاني الحسية الجسمية التي لا تجوز في حق الله تعالى.

[13]) صحيح البخاري، البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة القصص، 14/437.

[14]) فتح الباري، ابن حجر، 6/40. ونقله الحافظ البيهقي في كتاب الاسماء والصفات، ص 470.

[15]) مناقب الامام احمد، البيهقي، مخطوط. ونقل ذلك ابن كثير في البداية والنهاية، البداية والنهاية، 10/275. وعزاه للبيهقي في مناقب احمد.

[16]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ملا علي القاري، 2/137.

[17]) مجاهد بن جبر، ت 104هـ، ابو الحجاج المكي، مولى بني مخزوم، تابعي مفسر من اهل مكة. قال الذهبي: «شيخ القراء والمفسرين» اهـ. اخذ التفسير عن ابن عباس، قراه عليه ثلاث مرات، يقف عند كل اية يساله: فيم نزلت وكيف كانت؟ وتنقل في الاسفار، واستقر في الكوفة. حلية الاولياء، ابو نعيم، 3/279. صفة الصفوة، ابن الجوزي، 2/117. الاعلام، الزركلي، 5/278.

[18]) مفاتيح الغيب، الرازي، 26/413.

[19]) الجعد بن درهم، ت 118هـ، مبتدع، له اخبار في الزندقة. قال الذهبي: «مبتدع ضال، زعم ان الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر» اهـ. وقال ابن الاثير: «كان مروان يلقب بالجعدي، لانه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القران والقدر، وقيل: كان الجعد زنديقا شهد عليه ميمون بن مهران، فطلبه هشام، فظفر به، وسيره الى خالد القسري في العراق فقتله» اهـ. كان يقول بخلق القران، وهو اول من تكلم بذلك في دمشق، وكان يقول بنفي الصفات ـ وهو كفر والعياذ بالله تعالى ـ. الاعلام، الزركلي، 2/120.

[20]) الاسماء والصفات، البيهقي، ص329.

[21]) الفرق بين الفرق، ابو منصور البغدادي، 1/199.

[22]) بيان تلبيس الجهمية، ابن تيمية، ص 427.

[23]) ذلك ان ابن تيمية قال بفناء النار فوافق جهما في نصف عقيدته لان جهما قال بفناء الجنة والنار، على ان المشبهة يطلقون لفظ (الجهمية) ويريدون بذلك الاشاعرة. وغرضهم في ذلك التشنيع على مقالة الاشاعرة في تنزيه الله عن الحد والكيفية.

[24]) حلية الاولياء، ابو نعيم، 1/72، 73.

[25]) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 3/220.

[26]) الفتوى الحموية، ابن تيمية، 1/521.

[27]) غريب القران وتفسيره، ابن المبارك، ص113.

[28]) معاني القران، الزجاج، 3/350.

[29]) تاويلات اهل السنة، الماتريدي، 1/85.

[30]) الزجاجي يوسف بن عبد الله الزجاجي الجرجاني ابو القاسم، ت 415هـ. اديب لغوي، محدث نسبته الى شيخه الزجاج. من كتبه: «عمدة الالباب»، و«اشتقاق الاسماء». الاعلام، الزركلي، 8/239.

[31]) احكام القران، ابو بكر الرازي، 1/35.

[32]) الارشاد، الجويني، ص59.

[33]) الاسماء والصفات، البيهقي، ص519. الغنية، المتولي، ص78. المفردات في غريب القران، الاصفهاني، ص251. احياء علوم الدين، الغزالي، 1/128.

[34]) عارضة الاحوذي بشرح صحيح الترمذي، ابو بكر بن العربي المالكي، 2/236.

[35]) المفردات في غريب القران، الراغب الاصفهاني، 1/439، 441.

[36]) الفتوى الحموية، ابن تيمية، ص118. الكتاب المسمى جواب اهل السنة، عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص95. الكتاب المسمى فتح رب البرية، ابن عثيمين ص114. الكتاب المسمى الماتريدية، احمد اللهيبي، ص169، 173. الكتاب المسمى مختصر العقيدة الاسلامية، طارق السويدان، ص60. ملاحظات على الباجوري، عمر بن محمود، ص42. وكلهم من دعاة التشبيه.