روى مسلم في صحيحه في كتاب التوبة، بَاب قَبُولِ توبة القاتل وإن كَثُرَ قتله[(310)]: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ طَلحَةَ بنِ يَحيَى عَن أَبِي بُردَةَ عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى كُلِّ مُسلِمٍ يَهُودِيًّا أَو نَصرَانِيًّا فَيَقُولُ هَذَا فِكَاكُكَ مِن النَّارِ».
قال البيهقي في «البعث والنشور» ما نصه[(311)]: رواه مسلم عن محمد بن عمرو بن جبلة. إلا أن اللفظ الذي تفرد به شداد أبو طلحة بروايته في هذا الحديث وهو قوله ويضيعها على اليهود والنصارى مع شك الراوي فيه لا أراه محفوظًا. والكافر لا يعاقب بذنب غيره. قال الله عز وجل: {…وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وإنما لفظ الحديث على ما رواه سعيد ابن أبي بردة وغيره عن أبي بردة ووجهه ما ذكرناه، وقد علل البخاري حديث أبي بردة باختلاف الرواة عليه في إسناده والله أعلم.
وذكر أيضًا[(312)] في «شعب الإيمان» بأن أبا طلحة متكلم فيه مع كونه من رجال مسلم وقد خالف في حديثه هذا عدد ممن هم أحفظ منه ثم قال فلا معنى للاشتغال بتأويل ما رواه مع خلاف ظاهر ما رواه الأصول الصحيحة الممهدة في {…وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .
وقال الحافظ النووي الشافعي (676هـ) في كتابه «صحيح مسلم بشرح النووي»[(313)]: ومعنى هذا الحديث ما جاء فى حديث أبى هريرة لكل أحد منزل فى الجنة ومنزل فى النار فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر فى النار لاستحقاقه ذلك بكفره، ومعنى (فكاكك من النار) أنك كنت معرَّضًا لدخول النار وهذا فكاكك لأن الله تعالى قدَّر لها عددًا يملؤها فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا فى معنى الفكاك للمسلمين، وأما رواية (يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب) فمعناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين ولا بد من هذا التأويل لقوله تعالى {…وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} » اهـ. ونقله عنه الحافظ جلال الدين السيوطي (911هـ) في كتابه «الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج» دار الأرقم بن أبي الأرقم[(314)].
ـ[310] كتاب التوبة: بَاب: قَبُولِ توبة القاتل وإن كَثُرَ قتله (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ، ص1061 رقم الحديث 2767).
ـ[311] البعث والنشور (الطبعة الأولى ص/96 97).
ـ[312] شعب الإيمان (1/343).
ـ[313] صحيح مسلم بشرح النووي (دار الكتاب العربي 1407هـ، الجزء السابع عشر ص85).
ـ[314] الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج (دار الأرقم بن أبي الأرقم، المجلد السادس ص/182 – 183).