تفسير سورة الملك من الآية واحد وعشرين إلى الآية ثلاثين
- تفسير سورة الملك من الآية واحد وعشرين إلى الآية ثلاثين
أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) - {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه} أم من يشار إليه ويقال: هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه [وهو استفهام بمعنى التقريع والتوبيخ، والجواب محذوف: أي لا رازق لكم غير الله] {بل لجوا} تمادوا {في عتو} استكبار عن الحق {ونفور} وشراد([1]) عنه لثقله عليهم فلم يتبعوه.
ثم ضرب مثلا للكافر والمؤمن فقال:
- {أفمن يمشي مكبا على وجهه} ساقطا على وجهه يعثر كل ساعة ويمشي معتسفا([2]) {أهدى} أرشد {أمن يمشي سويا} مستويا منتصبا سالما من العثور والخرور {على صراط مستقيم} على طريق مستو، [ولا شك أن الماشي مستقيما منتصبا أهدى، فهكذا فكونوا أيها الناس، فالكافر أكب على معاصي الله تعالى في الدنيا فيحشره الله تعالى يوم القيامة على وجهه، والمؤمن استقام على أمر الله تعالى في الدنيا فيبعثه الله تعالى سويا مستقيما يوم القيامة].
- {قل} [يا محمد للمشركين المكذبين بالبعث] {هو الذي أنشأكم} خلقكم ابتداء {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} خصها لأنها ءالات العلم {قليلا ما تشكرون} هذه النعم لأنكم تشركون بالله ولا تخلصون له العبادة، وقيل القلة عبارة عن العدم([3]).
- {قل هو الذي ذرأكم} خلقكم {في الأرض وإليه تحشرون} للحساب والجزاء.
- {ويقولون} أي: الكافرون للمؤمنين استهزاء: {متى هذا الوعد} الذي تعدوننا به، يعني العذاب {إن كنتم صادقين} في كونه فأعلمونا زمانه.
- {قل إنما العلم} علم وقت العذاب {عند الله وإنما أنا نذير} مخوف {مبين} أبين لكم الشرائع.
- {فلما رأوه} أي: الوعد، يعني: العذاب الموعود {زلفة} قريبا منهم {سيئت وجوه الذين كفروا} ساءت رؤية الوعد وجوههم بأن علتها الكآبة والـمساءة، وغشيتها القترة([4]) والسواد {وقيل هذا الذي} القائلون الزبانية([5]) {كنتم به تدعون} تفعلون من الدعاء، أي تسألون تعجيله وتقولون: ائتنا بما تعدنا.
- {قل أرأيتم إن أهلكني الله} أمانتي {ومن معي} من أصحابي {أو رحمنا} أو أخر في ءاجلنا {فمن يجير} ينجي {الكافرين من عذاب أليم} مؤلم، كان كفار مكة يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، فأمر بأن يقول: نحن مؤمنون متربصون([6]) لإحدى الحسنيين، إما أننهلك كما تتمنون فننقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة عليكم كما نرجو، فأنتم ما تصنعون؟ من يجيركم وأنتم كافرون من عذاب النار؟ لا بد لكم منه، [لا فرج لكم بموتنا ولا نجاة لكم به من العذاب، إنما النجاة بالإيمان].
- {قل هو الرحمن} أي الذي أدعوكم إليه الرحمٰن {ءامنا به} صدقنا به ولم نكفر به كما كفرتم {وعليه توكلنا} فوضنا إليه أمورنا {فستعلمون} إذا نزل بكم العذاب {من هو في ضلال مبين} نحن أم أنتم.
- {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا} غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الدلاء {فمن يأتيكم بماء معين} جار يصل إليه من أراده؟
[ويستحب أن يقول القارئ عقب {معين}: الله رب العالمين].
([1]) شرد يشرد شرودا وشرادا بمعنى نفر وخرج وفارق وابتعد.
([2]) متسكعا متحيرا لا يهتدي لوجهته.
([3]) أي: لا يشكرون قليلا ولا كثيرا، أما الوجه الأول فمعناه قليل منكم يسلم فيكون شاكرا، وليس معناه أن قليلا من الكفار يشكرون وهم في كفرهم، لأن الكفر والشكر لا يجتمعان.
([4]) القترة: غبرة يعلوها سواد وظلمة.
([5]) الزبانية: ملائكة العذاب، والزبانية لغة: الشرط، من الزبن وهو الدفع، وهؤلاء الملائكة يدفعون أهل النار إليها.
